تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السنن التاريخيه في القرآن — صفحة 87

مساهمون:

ص٨٧
إلى أن اختيار الانسان نفسه هو أيضا يخضع لسنن التاريخ . وهذا الموقف يستبطن تضحية باختيار الانسان لكن بصورة غير مكشوفة . وذهب بعض المفكرين الأوروبيين إلى اختيار موقف معاكس ، عندما اتجهوا إلى التضحية بسنن التاريخ لحساب اختيار الانسان ، بحجة أنه ما دام الانسان مختارا ، فلا بد من أن تستثني الساحة التاريخية من الساحات الكونية في مقام التقنين الموضوعي ، فلا سنن موضوعية للساحة التاريخية حفاظا منهم على رادة الانسان واختياره . وهذه المواقف كلها خاطئة ، لأنها جميعا تقوم على وهم الاعتقاد بوجود تناقض أساسي بين مقولة السنة التاريخية ومقولة الاختيار الإنساني ، وهذا التوهم نشأ من قصر النظر على الشكل الثاني من اشكال السنة التاريخية تلك المصاغة بلغة القضية الفعلية الوجودية الناجزة ، لو كنا نقصر النظر على هذا الشكل من سنن التاريخ ، والتزمنا بأنه يستوعب كل الساحة التاريخية ، لكان هذا التوهم واردا ، ولكنا يمكننا ابطال هذا التوهم ، عن طريق الالتفات إلى الشكل الأول من اشكال السنة التاريخية ، الذي تصاغ فيه السنة التاريخية بوصفها قضية شرطية ، وكثيرا ما تكون هذه القضية الشرطية في شرطها معبرة عن إرادة الانسان واختياره ، باعتبار ان اختيار الانسان يمثل المحور في هذه القضية الشرطية لأنه شرطها . لكن ما هو الشرط ؟ الشرط : هو فعل الانسان ، هو إرادة الانسان
إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ
« 1 » ، التغيير هنا أسند إليهم فهو فعلهم ، ابداعهم وارادتهم . وحينما يحتل ابداع الانسان واختياره موضوع الشرط في القضية الشرطية ، تصبح السنة التاريخية متلائمة تماما مع اختيار الانسان ، بل إن السنة حينئذ ، تزيد الإنسان
هامش
( 1 ) سورة الرعد : الآية / 11 .
السنن التاريخيه في القرآن — صفحة 87 | السيد محمد باقر الصدر