الطبيعي لا ينبئنا عن تحقق الشرط وعدم تحققه ، لا ينبئنا عن أن الماء هل سوف يتعرض للحرارة أولا ؟ هل ان حرارة الماء ترتفع إلى الدرجة المطلوبة ضمن هذا القانون أو لا ؟ هذا القانون لا يتعرض لمدى وجود الشرط وعدم وجوده ، ولا ينبئنا بشيء عن تحقق الشرط ايجابا أو سلبا ، وانما ينبئنا عن أن الجزاء لا ينفك عن الشرط ، فمتى ما وجد الشرط وجد الجزاء ، وأن الغليان نتيجة مرتبطة موضوعيا بالشرط ، هذا تمام ما ينبئنا عنه هذا القانون المصاغ بلغة القضية الشرطية .
ومثل هذه القوانين ، تقدم خدمة كبيرة للانسان في حياته الاعتيادية ، وتلعب دورا عظيما في توجيهه ، لان الانسان ضمن تعرّفه على هذه القوانين ، يصبح بامكانه ان يتصرف بالنسبة إلى الجزاء ، ففي كل حالة يرى أنه بحاجة إلى الجزاء يعمل هذا القانون ويوفر شروطه ، ففي كل حالة يكون الجزاء متعارضا مع مصالحه ومشاعره ، يحاول الحيلولة دون توفر شروط هذا القانون .
اذن القانون الموضوع بصيغة القضية الشرطية ، موجّه عملي للانسان في حياته .
ومن هنا تتجلى حكمة اللّه سبحانه في صياغة نظام الكون على مستوى القوانين وعلى مستوى الروابط المضطردة والسنن الثابتة ، لان صياغة الكون ضمن هكذا روابط وسنن ، هو الذي يجعل الانسان يتعرف على موضع قدميه ، وعلى الوسائل التي يجب ان يسلكها في سبيل تكييف بيئته وحياته والوصول إلى إشباع حاجته ، لو أن الغليان في الماء كان يحدث صدفة ومن دون رابطة قانونية مضطردة مع حادثة أخرى كالحرارة ، لما استطاع الانسان ان يتحكم في هذه الظاهرة ، أو يخلقها متى ما كانت حياته بحاجة إليها ، ويتفاداها متى ما كانت حياته بحاجة إلى تفاديها ، إنما كان له هذه القدرة ، باعتبار أن هذه الظاهرة وضعت في موضع ثابت من سنن الكون ، وطرح على الانسان القانون الطبيعي
السنن التاريخيه في القرآن — صفحة 84
مساهمون: السيد محمد باقر الصدر
ص٨٤