سائر الظواهر الأخرى على ساحات الطبيعة المختلفة ، وهذا المميز ظهور علاقة فعل بغاية ، نشاط بهدف ، بالتعبير الفلسفي ، كون المستقبل محركا لهذا الفعل من خلال الوجود الذهني أي الفكر الذي يرسم للفاعل غايته . إذن فالسنن النوعية للتاريخ ، موضوعها ذلك الجزء من الساحة التاريخية الذي يمثل عملا له غاية ، عملا يحمل علاقة إضافية إلى العلاقات الموجودة في الظواهر الطبيعية ، وهي العلاقة بالغاية والهدف ، بالعلة الغائية .
ولكن ليس معنى ذلك بالضرورة ، إن يكون كل عمل له غاية عملا تاريخيا تجري عليه سنن التاريخ ، بل يوجد بعد ثالث لا بد أن يتوفر لهذا العمل لكي يكون عملا تحكمه سنن التاريخ .
البعد الأول : كان « السبب » .
والبعد الثاني : كان الغاية « الهدف » .
وأما البعد الثالث : فهو أن يكون لهذا العمل أرضية تتجاوز ذات الفرد العامل إلى المجتمع ، الذي يكون هذا الفرد جزءا منه .
قد يأكل الفرد إذا جاع ، قد يشرب إذا عطش ، قد ينام إذا أحس بحاجته إلى النوم ، لكن هذه الاعمال على الرغم من أنها أعمال هادفة أيضا ، تريد أن تحقق غايات ، ولكنها أعمال لا يمتد موجها أكثر من العامل ، خلافا لعمل يقوم به الانسان من خلال نشاط اجتماعي وعلاقات متبادلة مع أفراد جماعته . التاجر حينما يعمل عملا تجاريا . القائد حينما يعمل عملا حربيا .
السياسي حينما يمارس عملا سياسيا . المفكر حينما يتبنى وجهة نظر في الكون والحياة . هذه الأعمال لها موج يتعدى شخص العامل ، هذا الموج يتخذ من المجتمع أرضية له ، ويمكننا أيضا أن نستعين بمصطلحات الفلاسفة فنقول :
المجتمع يشكل علة مادية لهذا العمل ، نتذكر من مصطلحات الفلاسفة التمييز الأرسطي بين العلة الفاعلية والعلة الغائية والعلة المادية ، هنا نستعين بهذه المصطلحات لتوضيح الفكرة . يعني أن المجتمع باعتباره أرضية للعمل ، يشكل
السنن التاريخيه في القرآن — صفحة 76
مساهمون: السيد محمد باقر الصدر
ص٧٦