تخطي إلى المحتوى الرئيسي

السنن التاريخيه في القرآن — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
وسبب ، بين نتيجة ومقدمات ، مثلا الغليان ظاهرة طبيعية مرتبطة بظروف معينة ، بدرجة حرارة معينة ، بدرجة معينة من قرب هذا الماء من النار ، العلاقة هنا علاقة السببية ، علاقة الحاضر بالماضي ، بالظروف المسبقة المنجزة ، لكن هناك ظواهر على الساحة التاريخية تحمل علاقة من نمط آخر ونوع جديد ، وهي علاقة ظاهرة بهدف ، علاقة نشاط بغاية ، أو ما يسميه الفلاسفة بالعلة الغائية ، تمييزا لها عن العلة الفاعلية ، غليان الماء بالحرارة ، يحمل علاقة مع سببه ، مع ماضيه ، لكن لا يحمل علاقة مع غاية ومع هدف ، ما لم يتحول إلى فعل انساني وإلى جهد بشري ، بينما العمل الانساني الهادف يحتوي على علاقة لا فقط مع السبب ، لا فقط مع الماضي ، بل مع الغاية التي هي غير موجودة حين انجاز هذا العمل ، وانما يترقب وجودها . أي العلاقة هنا علاقة مع المستقبل لامع الماضي ، الغاية دائما تمثل المستقبل بالنسبة إلى العمل ، بينما السبب يمثل الماضي بالنسبة إلى هذا العمل . فالعلاقة التي يتميز بها العمل الذي تحكمه سنن التاريخ هو انه عمل هادف ، عمل يرتبط بعلة غائية ، سواءً كانت هذه الغاية صالحة أو طالحة ، نظيفة أو غير نظيفة ، وهذه الغايات التي يرتبط بها هذا العمل الهادف المسؤول ، حيث إنها مستقبلية بالنسبة إلى العمل ، فهي تؤثر من خلال وجودها الذهني في العامل لا محالة ، فتمنحه بذلك من الطموح والتطلّع المستقبلي ، ما يستطيع معه ان يجسّد ذاك الوجود الذهني حقيقة خارجية . اذن فالمستقبل أو الهدف الذي يشكل الغاية للنشاط التاريخي ، يؤثر في تحريك هذا النشاط وفي بلورته من خلال الوجود الذهني ، أي من خلال الفكر الذي يتمثل فيه الوجود الذهني للغاية ضمن شروط ومواصفات ، حينئذ يؤثر في ايجاد هذا النشاط . اذن حصلنا الآن على مميز نوعي للظاهرة التاريخية ، غير موجود بالنسبة إلى
السنن التاريخيه في القرآن — صفحة 75 | السيد محمد باقر الصدر