اللّه سبحانه وتعالى الذي هو المثل الأعلى . فرّق حتى بين الاسم والمسمى ، وأكد على أنه لا يجوز عبادة الاسم ، وانما العبادة تكون للمسمى لأنه هو المطلق ، ولأن الاسم ليس الا واجهة ذهنية للّه سبحانه ، والواجهات الذهنية دائما محدودة ومرحلية . قال اللّه سبحانه وتعالى
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ
« 1 » .
فإن هذه الآية الكريمة تضع اللّه سبحانه هدفا أعلى للإنسانية ككل ، وكدح الانسانية ككل ، نحو اللّه سبحانه ، يعني السير المستمر بالمعاناة والمجاهدة ، لان هذا السير ليس سيرا اعتياديا ، بل هو سير ارتقائي ، هو تصاعد وتكامل ، وهذا السير الذي يستبطن المعاناة باستمرار ، يفترض حتما طريقا ممتدا بين السائر وبين ذلك الهدف ، وهذا الطريق هو الذي تحدثت عنه الآيات الكريمة في المواضع المتفرقة تحت اسم سبيل اللّه ، واسم الصراط ، واسم صراط اللّه ، وهذه الآية الكريمة :
يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ
.
تتحدث عن حقيقة قائمة ، عن واقع موضوعي ثابت ، فهي ليست بصدد ان تدعو الناس إلى أن يسيروا في طريق اللّه سبحانه وتعالى ، ليست بصدد الطلب والتحريك كما هو الحال في مقامات وسياقات قرآنية أخرى .
لغة الآية هي أن كل سير وكل تقدم للانسان في مسيرته التاريخية الطويلة الأمد ، هو تقدم وسير نحو اللّه سبحانه ، حتى تلك الجماعات التي يسميها القرآن بالمشركين ، التي تمسكت بالمثل المنخفضة وبالآلهة المصطنعة ، واستطاعت ان تحقق لها خطوة على هذا الطريق الطويل ، يسيرون هذه الخطوة نحو اللّه ، هذا التقدم بقدر فاعليته وزخمه ، هو اقتراب نحو اللّه ،
هامش
( 1 ) سورة الانشقاق : الآية / 6 .