على ضوء ما قلناه ، تدخل في مرحلة رابعة وهي أخطر مراحلها ، حيث يسيطر عليها مجرموها ، يسيطر عليها أناس لا يرعون عهدا ولا ذمة . وهذا ما عبّر عنه القرآن الكريم في قوله سبحانه :
وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها وَما يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ
« 1 » .
يسيطر هتلر والنازية مثلا في جزء من أوروبا لكي يحطم كل ما في أوروبا من خير وابداع ، لكي يقضي على كل مكاسب ذلك المثل الأعلى الذي رفعه الانسان الأوروبي الحديث ، والذي تحوّل بالتدريج إلى مثل تكراري .
القسم الثالث :
من المثل العليا ، هو المثل الأعلى الحقيقي .
وهو اللّه سبحانه وتعالى . ولا بد من التنبيه هنا ، على أن التناقض الذي كنا نواجهه في القسمين السابقين من المثل العليا ، وهو ذلك التناقض القائم بين الوجود الذهني المحدود للانسان ولا محدودية المثل الأعلى ، إن هذا التناقض يرتفع في هذا القسم الثالث ، وهو المثل الأعلى الحقيقي ، ليحل محله التنسيق التام بين المحدود واللامحدود . لما ذا ؟ لان هذا المثل الأعلى ليس من نتاج الانسان ، ولا افرازا ذهنيا له ، بل هو مثل أعلى له واقع عيني ، هو موجود مطلق في الخارج ، له قدرته المطلقة وله علمه المطلق وله عدله المطلق . هذا الموجود العيني يكون مثلا أعلى لأنه مطلق ، لكن الانسان حينما يريد ان يستلهم من هذا النور ، فهو لا يمسك الا بحزمة منه ، الا انه يميز بين ما يمسك به وبين مثله الأعلى ، فما هو خارج حدود ذهنه هو المطلق ، والمقيد ما هو وجود ذهني لديه .
ومن هنا حرص الاسلام على التمييز دائما بين الوجود الذهني وما بين
هامش
( 1 ) سورة الأنعام الآية / 123 .