يتخذه إماما لا يلتمس له أقدم أهل عصره حفظا وأفهمهم وأشجعهم ، وإنما يلتمس أحسنهم ضبطا وخطا ، وأحضرهم فهما ، دون من كانت تلك صفاته .
ومن ثم يبدو طبيعيا - أيضا - ألا يشترك عبد اللّه بن مسعود ، الذي كان في الكوفة وقت نسخ المصاحف في ذلك العمل « 1 » . إضافة إلى أنه لم يكن من بين كتبة الوحي « 2 » الذين كتبوا للنبي صلى اللّه عليه وسلم وهو ربما كان يعرف الكتابة ، لكن تلك ميزة يقدم من اتصف بها في عمل مثل كتابة المصحف . ولا يعني ذلك تجهيلا لابن مسعود في علم القرآن ، فقد كان من أوائل الذين أسلموا بمكة ، وقد أخذ من في رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بضعا وسبعين سورة « 3 » . وهو الذي قال فيه النبي حين سمعه يقرأ القرآن « من أحبّ أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأ قراءة ابن أم عبد » « 4 » . لكن زيدا كان إماما في الرسم - إضافة إلى حفظه - وابن مسعود كان إماما في الأداء « 5 » . وربما ألقت قصة رفض ابن مسعود - في البداية - إحراق مصحفه ظلالا على ما قيل في عدم إشراكه في نسخ المصاحف وعزله من ذلك العمل - مما سنشير إليه بعد قليل .
أما الثلاثة الذين تشير الرواية إلى اشتراكهم مع زيد فهم : عبد اللّه بن الزبير الذي ولد في السنة الأولى أو الثانية من الهجرة ، وهو أول مولود في الإسلام من المهاجرين بالمدينة ، وقتل بمكة سنة ثلاث وسبعين من الهجرة « 6 » . وسعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية ولد عام الهجرة وتوفي سنة تسع وخمسين ، وكان سعيد هذا أحد أشراف قريش ممن جمع السخاء والفصاحة ، واستعمله عثمان على الكوفة وغزا بالناس طبرستان فافتتحها « 7 » . والثالث عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي ، كان ابن عشر سنين
هامش
( 1 ) الذهبي : سير أعلام النبلاء ، ج 1 ، ص 349 . وانظر : ابن سعد ، ج 6 ، ص 13 .
( 2 ) انظر أسماء كتاب النبي وكتبة الوحي في المصادر المذكورة في ص 49 .
( 3 ) ابن سعد ، ج 2 ، ص 344 .
( 4 ) الذهبي : معرفة القراء ، ج 1 ، ص 35 . وانظر ابن الجزري : غاية النهاية في طبقات القراء ، القاهرة ، مكتبة الخانجي ، ص 193 ، ج 1 ، ص 459 .
( 5 ) الذهبي : سير أعلام النبلاء ، ج 1 ، ص 249 .
( 6 ) ابن عبد البر : ج 3 ، ص 905 و 907 .
( 7 ) نفس المصدر ، ج 2 ، ص ( 621 - 624 ) . وانظر أيضا : ابن حجر : ج 10 ، ص 393 .