حتى بلغ عدد الذين يقرءون القرآن عنده أزيد من ألف رجل « 1 » ، وهو قد يقف في المحراب يرمقهم ببصره وقد يطوف عليهم قائما ، فإذا أحكم الرجل منهم تحول إلى أبي الدرداء يعرض عليه ، وكان ابن عامر عريفا على عشرة ، فلما مات أبو الدرداء خلفه ابن عامر « 2 » ، وكان أبو الدرداء هو الذي سن الحلق للقراءة « 3 » ، وكان أبو موسى الأشعري يعلّم الناس القرآن في مسجد البصرة ، يجلسون إليه حلقا حلقا « 4 » ، وكان يعلم القرآن خمس آيات « 5 » ، كذلك كان أبو عبد الرحمن السلمي يقرئ عشرين آية بالغداة وعشرين آية بالعشي ، ويخبرهم بموضع العشر والخمس ، ويقرئ خمس آيات خمس آيات « 6 » ، وكان يحيى بن وثاب ( ت 103 ه بالكوفة ) قد تعلم القرآن من عبيد بن نضيلة ( ت 75 ه ) آية آية « 7 » ، وكان أبو جعفر المدني وشيبة بن نصاح يقرءان على كل رجل عشر آيات عشر آيات « 8 » .
ويبدو أن القراءة العامة التي كتب عليها المصحف العثماني لم تزل متميزة عن غيرها طوال القرن الأول ، وكانت القراءات الأخرى لا تزال متميزة ، وقد كانت الكوفة من أكثر الأمصار الإسلامية التي شهدت تنافسا شديدا بين القراءات ، فقد كانت قراءة الكوفيين هي قراءة عبد اللّه بن مسعود الذي أرسله عمر إلى الكوفة ليعلمهم ، فأخذت عنه قراءته ونقلها عنه أصحابه « 9 » ، قال ابن مجاهد : ولم تزل قراءة عبد اللّه بالكوفة لا يعرف الناس
هامش
( 1 ) كان كافة المسلمين يحرصون على تعلم القرآن وقراءته يدل على ذلك ما ذكره ابن الجزري ( منجد المقرئين ، ص 8 ) أن حمزة كان يقدم الفقهاء من طلبة العلم وأن أبا عبد الرحمن السلمي وعاصما كانا يبدآن بأهل السوق لئلا يحتبسوا عن معايشهم .
( 2 ) الذهبي : سير أعلام النبلاء ، ج 2 ، ص 454 - 455 ، ومعرفة القراء ( له ) ج 1 ، ص 38 .
( 3 ) الذهبي : سير أعلام النبلاء ، ج 2 ، ص 249 .
( 4 ) الحاكم ، ص 2 ، ص 220 .
( 5 ) ابن الجزري : غاية النهاية ، ج 1 ، ص 604 .
( 6 ) ابن سعد : مج 6 ، ص 172 ، والذهبي : معرفة القراء ، ج 1 ، ص 46 .
( 7 ) ابن سعد : مج 6 ، ص 299 ، وانظر الذهبي : معرفة القراء ، ج 1 ، ص 51 ، وابن الجزري : غاية النهاية ، ج 2 ، ص 380 .
( 8 ) انظر ابن الجزري : غاية النهاية ، ج 1 ، ص 616 .
( 9 ) انظر علم الدين السخاوي : جمال القراء ، ورقة 153 ب .