ويبدو أنه كما كان الهدف توحيد المصاحف كان أيضا توحيد القراءة في الأمصار ، وقد أورد الجعبري عن أبي علي أنه قال : أمر عثمان بن ثابت ( ت 45 ه على الأكثر ) أن يقرئ بالمدني ، وبعث عبد اللّه بن السائب ( ت في حدود 70 ه ) مع المكي ، والمغيرة بن شهاب مع الشامي ( ت 91 ه ) . وأبا عبد الرحمن السلمي ( ت 73 وقيل 74 ه ) مع الكوفي . وعامر بن عبد قيس مع البصري « 1 » ، لكن ذلك لم يحل - على ما يبدو - دون استمرار رواية القراءات المتعددة ، خاصة أن ابن أبي داود يذكر أن عثمان - رضي اللّه عنه - قد قال للذين أنكروا عليه تحريق المصاحف المخالفة وأمرهم بالقراءة بما كتب : اقرءوا كيف شئتم ، إنما فعلت ذلك لئلا تختلفوا « 2 » ، لكن هجاء الكلمات في المصاحف ظلت كما رسمت في المصاحف العثمانية ، وقرأ الناس بما رووه وتعلموه من الصحابة الذين نزلوا بين أظهرهم ، ولا شك أن بعضا من تلك الروايات كان خارجا عن رسم المصحف ، ولكن تلك الروايات قلّ نقلها واعتمد الناس تدريجيا نقل الروايات التي لا تخرج عن الرسم .
وفي فترة الخلافة الراشدة برزت مدارس القراءة وترسخت آداب تعلم القرآن وقراءته فقد كان أبو الدرداء ( ت 32 ه ) قاضي دمشق وسيد القراء فيها « 3 » ، يجعل الناس حين يجتمعون عليه بعد صلاة الغداة للقراءة عشرة عشرة ، وعلى كل عشرة عريفا أو ملقنا ،
هامش
( 1 ) خميلة أرباب المراصد ، ورقة 67 ب ، ولا أدري من هو أبو علي المذكور ، وأورد هذا الخبر المارغني ( ص 17 ) ربما نقله عن ابن عاشر الأنصاري ، لكنه ذكر عامر بن قيس بدل عبد قيس ، وذكر ابن الجزري ( غاية النهاية ، ج 2 ، ص 305 ) أن الصواب في اسم المغيرة هو ( المغيرة بن أبي شهاب ) وذكر أن أبا عبيد سمّاه ( المغيرة بن شهاب ) وقال إنه وهم في ذلك ( انظر علم الدين السخاوي : جمال القراء ، ورقة 149 ب ) لكن الذهبي ذكره باسم ( ابن شهاب ) أيضا ( معرفة القراء ، ج 1 ، ص 43 ) أما عامر بن عبد قيس فقد قال عنه أبو عبيد في كتابه القراءات ( انظر علم الدين السخاوي : جمال القراء ، ورقة 149 ب ) وهو يتحدث عن التابعين من القراء : ( ومن أهل البصرة عامر بن عبد اللّه وهو الذي يعرف بابن عبد قيس ، كان يقرئ الناس ) . لكن الذي ورد في غاية النهاية لابن الجزري من وصفه بالمصري ( ج 1 ، ص 350 ) يبدو أنه من تحريف فات محقق الكتاب .
( 2 ) المصاحف ، ص 36 ، وانظر علم الدين السخاوي : جمال القراء ، ورقة 84 أ .
( 3 ) الذهبي : سير أعلام النبلاء ، ج 2 ، ص 241 .