تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسم المصحف — صفحة 527

مساهمون:

ص٥٢٧
كانت في القرن الهجري الأول أقرب إلى أن تكون تلك القراءة ، وهي التي كانت تعرف بقراءة العامة « 1 » ، وقراءة الجماعة « 2 » ، ويبدو أن معالم تلك القراءة أخذت تختفي شيئا فشيئا ، لأن أئمة القراءة كانوا قد قرءوا على شيوخ كثيرين ، فكانوا ينتخبون من قراءات أولئك الشيوخ قراءة يستمرون عليها ، وقد حدثت هذه الظاهرة منذ وقت مبكر ، فينقل ابن الجزري أن ابن عباس ( ت 68 ه ) « كان يقرأ القرآن على قراءة زيد بن ثابت إلا ثمانية عشر حرفا أخذها من قراءة ابن مسعود » « 3 » . وقد عرفت ظاهرة تأليف قارئ قراءة من مروياته عن أكثر من شيخ بالاختيار ، فكان أئمة الإقراء في القرون الأولى ينتخبون قراءة من مجموع ما يروونه عن شيوخهم ، وكان نافع بن أبي نعيم ( ت 169 ه ) إمام أهل المدينة يقول : قرأت على سبعين من التابعين ، « فنظرت إلى ما اجتمع عليه اثنان منهم فأخذته ، وما شذ فيه واحد تركته ، حتى ألّفت هذه القراءة من هذه الحروف » « 4 » ، ويروى أن نافعا قال « تركت من قراءة أبي جعفر سبعين حرفا » « 5 » ، وأبو جعفر هو يزيد بن القعقاع من أكبر شيوخ نافع . وهناك أمثلة كثيرة لهذه الظاهرة ، فعليّ بن حمزة الكسائي قرأ على حمزة وهو يخالفه في نحو ثلاث مائة حرف « 6 » ، لأنه كان يتخير القراءات فأخذ من قراءة حمزة ببعض وترك بعضا « 7 » ، قال ابن النديم : وكان الكسائي من قراء مدينة السلام ، وكان أولا يقرئ الناس بقراءة حمزة ثم اختار لنفسه قراءة فأقرأ الناس في خلافة هارون « 8 » وقال عنه
هامش
( 1 ) انظر الزركشي : ج 1 ، ص 237 . ( 2 ) أبو بكر الباقلاني : ص 417 . ( 3 ) غاية النهاية ، ج 1 ، ص 426 . ( 4 ) ابن مجاهد : ص 62 ، ومكي : الإبانة ، ص 17 . ( 5 ) الذهبي : معرفة القراء ، ج 1 ، ص 91 . ( 6 ) مكي : الإبانة ، ص 17 . ( 7 ) ابن مجاهد : ص 78 ، وياقوت : معجم الأدباء ، ج 13 ، ص 168 ، وعلم الدين السخاوي : جمال القراء ، ورقة 150 أ ، والذهبي : معرفة القراء ، ج 1 ، ص 101 ، وابن الجزري : غاية النهاية ، ج 1 ، ص 538 . ( 8 ) الفهرست ، ص 30 .