ويبدو أن أساس الخطأ في تفسير هذه الصورة الهجائية لرسم كلمة ( مائة ) أن علماء السلف اعتبروا أن الألف زيدت على رسم الكلمة لمعنى معين إما للفرق أو تقوية للهمزة . والحقيقة أن كلا الرمزين يشير إلى نطقين مختلفين في مرحلتين متتابعتين ، ثم إن هذا الشكل يشير إلى خاصية تميز الكتابات عامة ، وهي احتفاظها بمظاهر من مختلفات النطق القديم رغم زوالها من الاستعمال . فالكتابة دائما أقل مواكبة للتطور والتغير الذي يلحق النطق ، وبذلك تصدق المقولة بأن الكتابة بالنسبة للألفاظ كالمتحف بالنسبة للآثار ، تقفنا في كثير من الأحيان على نطق الكلمات في عصور سابقة من خلال احتفاظها بصورة الكتابة التي تمثل ذلك النطق القديم ، على نحو ما نجد هنا ، وعلى نحو ما شاهدنا من رسم الألف واوا في كلمات مثل ( الصلاة والزكاة ) ورسم الألف ياء في مثل ( سعى - رمى - يخشى - يرضى - مولى - الكبرى . . . ) .
3 - كراهة اجتماع صورتين متفقتين في الخط :
ومن عوامل تعدد صور هجاء بعض الكلمات المهموزة - وغير المهموزة أحيانا - ما سماه علماء الرسم والعربية بكراهة اجتماع صورتين أو أكثر متفقة في الخط ، وتختص هذه الظاهرة برموز الحركات الطويلة والصوامت التي تشترك معها بتلك الرموز ، وأشرنا من قبل إلى أن هذه الظاهرة ليست لمجرد التشابه فقط وإنما تمثل مرحلة في تمثيل الحركات الطويلة ، إذ لو كان التشابه وحده هو السبب في ذلك الحذف لوجدنا آثارا لهذه الكراهة في عدم إثبات رموز بعض الصوامت ، خاصة أن الرسم العثماني يتيح فرصا أكبر للتشابه الشكلي في رسم الحروف قبل أن يكمل بالنقط والعلامات ، أما كتابة الحرف المشدد برمز واحد فإن ذلك لا يدل على سريان أثر تلك الكراهة على رموز الصوامت ، لأن ذلك يرجع إلى طبيعة الصوت المشدد نفسه ، ورغم كل ذلك ومعه فإن ملاحظة علماء السلف تبقى صادقة كل الصدق بالنسبة لحذف أحد رمزي الحركة الطويلة والصامت الذي تشركه في الرمز ، إلا بعض الكلمات التي جاءت بإثبات الرمزين معا .
والهمزة في غير أول الكلمة يخلفها عند التخفيف صوت لين أو حركة طويلة - كما مر بيان ذلك - فإذا اقترن بالرمز الذي يمثل الصوت المتخلف عن سقوط الهمزة رمز آخر مثله سواء أكان يمثل أحد صوتي اللين : الواو أو الياء ، أم يمثل حركة طويلة سرى على الرمزين أثر هذه الظاهرة وحذف أحدهما ، يقول أبو داود سليمان بن نجاح ، أشهر