تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسم المصحف — صفحة 110

مساهمون:

ص١١٠
ما يوضح بطلان ما ادعاه جولدتسيهر « 1 » : « وقال أبو عبيد : في حديثه عليه السلام أنه قال : أنزل القرآن على سبعة أحرف كلها كاف شاف ، وبعضهم يرويه فاقرءوا كما علمتم » . « قال أبو عبيد قوله : سبعة أحرف - يعني سبع لغات من لغات العرب ، وليس معناه أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه ، هذا ما لم نسمع به قط ، ولكن نقول : هذه اللغات متفرقة في القرآن ، فبعضه نزل بلغة قريش ، وبعضه بلغة هذيل ، وبعضه بلغة هوازن ، وبعضه بلغة أهل اليمن ، وكذلك سائر اللغات ، ومعانيها مع هذا كله واحدة . ومما يبين ذلك قول ابن مسعود : إني قد سمعت القراء فوجدتهم متقاربين فاقرءوا كما علمتم ، إنما هو كقول أحدكم : هلم وتعال . وكذلك قال ابن سيرين : إنما هو كقولك : هلم وتعالى وأقبل . ثم فسره ابن سيرين فقال في قراءة ابن مسعود ( إن كانت إلا زقية واحدة ) وفي قراءتنا
إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً *
. وعلى هذا سائر اللغات . « وقد روي في حديث خلاف هذا ، قال : نزل القرآن على سبعة أحرف : حلال وحرام ، وأمر ونهي ، وخبر ما كان قبلكم ، وخبر ما هو كائن بعدكم ، وضرب أمثال . قال أبو عبيد : ولسنا ندري ما وجه هذا الحديث لأنه شاذ غير مسند ، والأحاديث المسندة المثبتة ترده ، ألا ترى أن في حديث عمر الذي ذكرناه في أوله أنه قال : سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها . وقد كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أقرأنيها . فأتيت به النبي عليه السلام ، فأخبرته فقال له : اقرأ فقرأ تلك القراءة ، فقال هكذا أنزلت . ثم قال لي : اقرأ ، فقرأت قراءتي فقال : هكذا أنزلت ، ثم قال : إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف ، فاقرءوا ما تيسر منه ، وكذلك حديث أبي بن كعب هو مثل حديث عمر أو نحوه ، فهذا يبين لك أن الاختلاف إنما هو في اللفظ والمعنى واحد . . . وليس يكون المعنى في السبعة الأحرف إلا على اللغات لا غير ، بمعنى واحد ، لا يختلف فيه حلال ولا حرام ولا خبر ولا غير ذلك » . وقد نقلنا كلام أبي عبيد - هنا - على طوله لتتأكد صحة الحديث ، وتزول من الأذهان الشبهة التي حاول جولدتسهير إثارتها استنادا إلى فهمه الخاطئ للرواية أو تحريفه المتعمد لكلام أبي عبيد . وسنشير إلى رأي أبي عبيد ، الذي فصله هنا في معنى الحديث ، بعد قليل .
هامش
( 1 ) ج 3 ، ص ( 159 - 161 ) .