وظل العلماء يتناولونه بالبحث سندا ومتنا ، وتكلم فيه أصناف العلماء من أهل الحديث والفقهاء والقراء وأهل التفسير والكلام وشرح الغريب وغيرهم ، حتى صنّف فيه التصنيف المفرد ، مثل ما صنع الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل الشافعي المعروف بأبي شامة ( ت 665 ه ) فقد ألف فيه كتابا حافلا « 1 » .
ومن أقدم من تعرض لبيان المراد من هذا الحديث - ممن وصلت إلينا آراؤهم - هو أبو عبيد القاسم بن سلام ، وقد مرت - من قريب - نصوص مما قاله في ذلك ، وهي توضح موقفه من معنى الحديث . ويقول أيضا « 2 » : « ولكنه عندنا أنه نزل على سبع لغات متفرقة في جميع القرآن من لغات العرب ، فيكون بعضه بلغة قبيلة ، والثاني بلغة أخرى سواها ، والثالث بلغة أخرى سواهما ، وكذلك إلى السبعة » . ويؤكد ذلك المعنى بقوله « 3 » :
« والأحرف لا معنى لها إلا اللغات مع أن تأويل كل حديث منها بيّن في الحديث نفسه ، ألا ترى أن عمر قال : سمعت هشام من حكيم يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأ . .
( أمثله أخرى ) فأنت ترى أن اختلافهم إنما كان في الوجوه والحروف التي تفرق فيها الألفاظ ، فأما التأويل فلم يختلفوا فيه » . ويوضح مراده بمثال من قراءة من قراءة ابن مسعود ( زقية ) مكان ( صيحة ) وينقل عن ابن مسعود وابن سيرين : ( أنه كذلك : هلم وتعال وأقبل ) . وكأن مفهوم الحديث عند أبي عبيد هو اختلاف الألفاظ مع اتفاق المعنى ، وأن ذلك يرجع إلى سبع لغات من لغات العرب ، دون أن يكون في الحرف الواحد سبعة أوجه من تلك اللغات .
ويروي أبو عبيد عن ابن عباس تسمية أسماء القبائل المقصودة لغاتها من طريقين :
هامش
التالية . وانظر في معنى الحرف - عامة - لغة واصطلاحا : ( د . عبد الصبور شاهين : تاريخ القرآن ، ص 195 وما بعدها ) .
( 1 ) انظر ابن تيمية ( تقي الدين أحمد بن عبد الحليم ) : مجموعة فتاوى ابن تيمية ، القاهرة ، مطبعة كردستان العلمية ، 1325 ه ، مج 1 ، ص 312 . وابن الجزري : النشر ، ج 1 ، ص 21 . وفي العصر الحديث كتب الشيخ محمد بخيت المطيعي ( ت 1935 م ) رسالة سماها : الكلمات الحسان في الحروف السبعة وجمع القرآن ( القاهرة ، المطبعة الخيرية ، 1313 ه ) جمع فيها أكثر ما قيل في هذا الموضوع في المصنفات القديمة .
( 2 ) فضائل القرآن ، لوحة 47 .
( 3 ) نفس المصدر ، لوحة 48 .