الظلام باللّه ، واللّه رب كل شيء ، فلم يخصصه هنا « برب الفلق » ؟
لينسجم مع جو الصورة كلها ، ويشترك فيه ، ولقد كان من المتبادر أن يعوذ من الظلام برب النور ، ولكن الذهن هنا ليس المحكّم ، إنما المحكّم هو حاسة التصوير الدقيقة ، فالنور يكشف الغموض المرهوب . . .
والفلق يؤدي معنى النور من الوجهة الذهنية ، ثم يتسق مع الجو العام من الوجهة التصويرية » « 1 » .
ويمكننا أن نقول : إن المحكّم في كل نظرات سيد قطب هو التصوير الذي أخذ بملاك قلبه ، وهذا التصوير يشمل في منظوره الصورة البصرية ، والإيحاء النفسي والصورة السمعية .
وإذا كان المتبادر إلى الذهن اقتران كلمة العذاب بكلمة النار وهو الأشهر ، فإن هذا يتغير في تعبير غريب كما في قوله عز وجل :
وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ
[ آل عمران : 181 ] وهذا ما لفت نظر سيد قطب ، مدللا على الإيماء في ميل القرآن الكريم إلى تصوير قبح أعمال الكفار بمفردات قوائم شنائعهم ، والمقصود هنا اليهود .
يقول سيد قطب : « والنص على الحريق » هنا مقصود لتبشيع ذلك العذاب وتفظيعه ، ولتجسيم مشهد العذاب ؛ بهوله وتأجّجه وضرامه ، جزاء على الفعلة الشنيعة قتل الأنبياء ، وعلى القولة الشنيعة
إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ
[ آل عمران : 181 ] » « 2 » .
وهو لا يذكر مثلا مساحة دلالة « الحريق » في اللغة مقارنة بالنار ، وتحليله ليس ببعيد عما يسميه القدامى مراعاة النظير أو التصدير ، فتربط الكلمة بسياق الآية كلها ، وهذا ما نجده في كتاب درة التنزيل المنسوب
هامش
( 1 ) التصوير الفني في القرآن ، سيد قطب ، ص / 98 .
( 2 ) في ظلال القرآن ، مج / 1 : 4 / 537 .