تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات فنيه في القرآن الكريم — صفحة 562

مساهمون:

ص٥٦٢
إلى الإسكافي وعند ابن أبي الإصبع . وهكذا تبدو غرابة كلمة الحريق محتوية للمدلول الشنيع الغريب ، إذ يستحل القتل لعلية الناس وأشرفهم وهم الأنبياء وهم رسل رحمة ، فقتلهم غريب ، وكذلك التطاول على الذات الإلهية وادعاء النقص عليها ، وهذا ما احتاج إلى عذاب توضع فيه البشاعة ليقترن القبيح بالمرعب ، ويفعل فعلته في النفوس المخطئة المتجبرة ويكسر كبرياءها بعذاب مهين موغل بالحسية مقطّع . ومن هذا القبيل العدول عن أنفقت إلى أهلكت في قوله عز وجل :
يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً
[ البلد : 6 ] واللبد الكثير بعضه فوق بعض ، وقد نظرت الدكتورة عائشة عبد الرحمن إلى قرائن السياق العام في الآيات لتبين البعد النفسي لدلالة فعل أهلكت . قالت : « ولم يقل أنفقت مع قربها ، وذلك لأن الإهلاك أولى بالغرور والطغيان ، وأنسب لجو المباهاة والفخر المسيطر على المقام » « 1 » . وهذا المقام واضح في سورة البلد ، ولا شك في وجود مفردات مختصة بدفع المال مثل : أنفق وبذل وصرف ، ولكن أهلكت فعل يعدّ استعماله مجازيا ، ففيه قيمة فنية انزياحية ، وهو ليس من مرادفات أنفق كما رأت الباحثة ، ففيه قدرة تشخيصية للمال ، تبين استعداد هذا الكافر لقتل من عرف ، فإنه ذات فوق الذوات بله فوق الموجودات الجامدة . وفي نهاية هذه الفقرة لا بد أن نلخص منهج الدارسين الذي تكلموا على احتواء المفردة للموضوع ، ما دمنا قد استعنّا بتطلعاتهم لكشف جمالية الاحتواء وتمكن المفردة من السياق وإقناعها وإثارتها النفسية والحسية معا .
هامش
( 1 ) التفسير البياني ، د . عائشة عبد الرحمن : 1 / 187 .