أن السياق يتطلب هذه الكلمة هنا ، وتلك هناك ، وهذا ما يلتقي فيه بما جاء في كتاب « درة التنزيل » ، وقد سارت الدكتورة عائشة عبد الرحمن على هذا النهج في عصرنا ، إذ سرد ابن أبي الإصبع الآيات التي ورد فيها كل من الطين والتراب ليبسط الفرق بينهما « 1 » .
وقال تعالى على لسان أبناء يعقوب عليه السلام :
تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ
[ يوسف : 85 ] وحرضا أي مشرفا على الهلاك ، وقد ذكر ابن أبي الإصبع هذه الآية في باب ائتلاف اللفظ والمعنى وهو في مفهومنا المعاصر احتواء المفردة موضوعها .
وكان من نظرته الثاقبة ربط الكلمة الغريبة بغرابة الموقف ، وذكر لهذا شواهد عدة ، يقول : « فإنه سبحانه أتى بأغرب ألفاظ القسم بالنسبة إلى أخواتها ، فإن « واللّه » و « باللّه » أكثر استعمالا ، وأعرف عند الكافّة من « تاللّه » لمّا كان الفعل الذي جاوز أغرب الصيغ التي هي في بابه ، فإنه « كان » وأخواتها أكثر استعمالا من « تفتأ » وأعرف عند الكافة ، ولذلك أتى بعدهما بأغرب ألفاظ الهلاك ، وهي لفظة « حرضا » ، ولمّا أراد غير ذلك قال في غير هذا الموضع :
وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ
[ فاطر : 42 ] ، لمّا كانت جميع هذه الألفاظ مستعملة ، وعلى هذا فقس ، واللّه أعلم » « 2 » .
فالغرابة تمثّل انسجام مفردة مع ما يجاورها ، ويبدو أن غرابة الموقف تحكّمت في اختيار المفردات الغريبة المعبّرة ، وهي غرابة غير مطلقة ، بل هي نسبية ، وذلك بالإضافة إلى ما قدمته المفردات هنا من النبرة القوية التي تمثل غضبهم واشمئزازهم ، وقد تحدثنا عن جمالية الصوت التي
هامش
( 1 ) انظر : تحرير التحبير ، ص / 194 .
( 2 ) تحرير التحبير ، ص / 195 ، وانظر كتابه : بديع القرآن ، ص / 145 ، والبرهان للزركشي : 3 / 433 .