تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات فنيه في القرآن الكريم — صفحة 548

مساهمون:

ص٥٤٨
الخالق في صفاته الجلالية ، وأن الفعل جواب شرط يدل على الثقة واليقين ، إنه تجاوز لحدّ المعجم . وهنا يحضرنا قول « بختين » : « إن احتواء الكلمة لموضوعها فعل معقّد ، ذلك أن أي موضوع مفترى عليه ، ومختلف فيه ، مضاء من جهة ، ومعتم من جهة أخرى بالآراء الاجتماعية المختلفة ، وبكلمات الآخرين » « 1 » . وفي القرآن الكريم نجد أن الفعل « يذر » مع تصريفاته يرد إحدى وثلاثين مرة ، وثلاث مرات منها يختص فيها الفعل بالخالق عز وجل ، مع أن الدلالة واحدة في المعجم ، وهذا يؤكد السياق الخاص لآيات القرآن الكريم الذي ينفي الترادف ، إذ تصل بنا الآيات إلى دلائل متعددة لمادة واحدة مما عدّوه في الوجوه والنظائر . فنحن نقرأ في القرآن الكريم قوله تعالى :
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً
[ البقرة : 234 ] ، فالفعل في هذه الآية « يذرون » يعني مجرد المغادرة والترك ، إذ تقرر الآية الكريمة المدنية مسألة فقهية . أما قوله تبارك وتعالى :
فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ
[ القلم : 44 ] فإن الكلام يعجز عن التعبير عن حدود فاعلية هذه المفردة ، وهولها وهالاتها الغيبية الخاصة ، نتيجة صدورها أمرا من اللّه عز وجل . وكذلك قوله عزت أسماؤه :
وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا
[ المزمل : 11 ] ، وقوله أيضا :
ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً
[ المدثر : 11 ] ، والآيات الثلاث هذه من السور المكية ، والأخيرتان منها من أوائل نزول الوحي المبارك . ففي هذا الفعل إثارة كبرى لطاقة التخيل مما يبعده عن المعنى
هامش
( 1 ) الكلمة في الرواية ، ميخائيل بختين ، ص / 30 .