تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات فنيه في القرآن الكريم — صفحة 549

مساهمون:

ص٥٤٩
المعجمي المعهود ، وذلك لأنه يثير في الذهن كيفية انفراد القوة المطلقة الخالقة بما خلقت ، ويبعث في النفس الرهبة والإجلال ، وخصوصا إذا أعربنا كلمة « وحيدا » حالا لضمير الياء . إن الذات الخالقة تستبعد كل مخلوق لتنفر بهذا المتجبر المكذّب ، وهو فعل دال على حدث ، ولكنه حدث متسع في الذهن ، إذ لا نعرف له زمانا يحدد موعد اللقاء ، خصوصا أن اللّه هو خالق الزمان ، وهو حدث لا نعرف له مكانا ، وكل مكان ينصاع لخالقه متى يشاء ، ثم كيف يحيط التخيل بلقاء الأزلي بالعابر ، إن هذا فوق الطاقة ، وفوق نطاق اللغة ، فلا بد من قراءة ما قبل أحرف الكلمة وما بعدها مع قراءتها كما يقال اليوم في الدراسات الأدبية عن التأويل وقراءة ما بين الأسطر . ومن خصوصيات التعبير القرآني وحيثيات الموقف ما جاء في قوله تبارك وتعالى عن بر الوالدين :
إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُما
[ الإسراء : 23 ] . وهذا ما تأمله الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي والذي يطالع أبحاثه يقع على مادة وفيرة تدل على رهافة حسه الفني الممزوج بالإرشاد الديني القويم ومعرفته لدلالات المفردات ، وذلك لا يقتصر على كتابه « من روائع القرآن » الذي تحدث فيه عن فن البيان القرآني ، فنحن الآن مع كتيّب في الدعوة الإسلامية بعنوان « منهج تربوي فريد في القرآن » ، ففيه بعض التأملات الدالة على أصالة فنية وتفرّد ذوقي ، ونذكر كلامه هنا ، لنؤكد أن التطلعات الفنية غير قاصرة على الأدباء ، فهي عند المشايخ أيضا ، وهو النهج السوي المبارك عند السلف الصالح . كما أن تلمس الجمال الفني البيان القرآني غير قاصر على الدراسات الأدبية للقرآن الكريم . يقول : « لو حذفت هذه الكلمة - عندك - من الآية ، لاختفى منها أعظم