تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات فنيه في القرآن الكريم — صفحة 547

مساهمون:

ص٥٤٧
وإطلاق كلمة نفس على الخالق عز وجل تحمل دلائل أخرى غير دلائل النفس البشرية ، جاء في الآية الكريمة :
وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ
[ آل عمران : 28 ] ، فالكلمة هنا تدل على المواجهة والقصد إلى العقوبة ، وهي مرهبة لما يعرف من نطاقها المعجمي من علائم قوة . وعلى لسان عيسى عليه السلام :
تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ
[ المائدة : 116 ] وهي آية من شواهد المتشابه القرآني ، ويبدو أنها تدل على حب التقرب من الذات الإلهية ، وإن كانت تؤول بالقدرة والمعرفة وغير هذا ، لكن أنطقها اللّه لسان بنيه ليبين حبه والصعود في هذا الحب . وفعل الإحاطة من اللّه عز وجل لا يعني إحاطة جسمية ، إذ لا يجوز هذا عليه ، أما قوله عز وجل :
وَاللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ
[ البروج : 20 ] فإنه تقريب للأذهان بإحاطة القدرة الإلهية وتجلياتها المتنوعة في عالم الشهود ، وليست تعني إحاطة فرسان قبيلة بقبيلة أخرى ، ولكن مع هذا نتصور شيئا عجيبا يتحرك داخله الإنسان وفق دائرة بين الروح والحس . والفعل « برز » معهود الاستعمال والدلالة ، ولكن يخرج عن نطاقه المعجمي وفق الاستباق الزمني الذي تصنعه المعجزة ، وهو فعل قابل للحدوث ، أي قائم على الاحتمال ، قال عز وجل :
قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ
[ آل عمران : 154 ] ، فإن هذا لم يحدث ، ولكنه لو حدث لكان حدثا عجيبا ينقبض فيه الزمن بين الحاضر والمستقبل واللّه خالق الزمن ، فلا بد أن يكون بروزا ليس كما نعرف من حيث الحيز الزماني والحيز المكاني لكوننا لم نعرف بعد مكان المضجع . ومن هذا فعل الإتيان واستحضار الناس ليوم الجزاء في قوله عز وجل :
أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
[ البقرة : 148 ] . ففي فعل « يأت » قوة في الاستحضار تشتمل على الاستقصاء وضآلة شأن المأتي به ، وتدل على الثقة خصوصا أن الكلمة تسند إلى
دراسات فنيه في القرآن الكريم — صفحة 547 | أحمد ياسوف