تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات فنيه في القرآن الكريم — صفحة 546

مساهمون:

ص٥٤٦
بالفعل ، وهو ليس كقيام أحدنا ولا قيام الأنبياء ، كل هذا ليس كما في قوله تعالى :
شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
[ آل عمران : 18 ] ، هذه القيومية جلالية تنزاح بجلالها وإشعاعاتها عن النطاق المعجمي ، وهذا بخلاف التعبير المعجمي :
وَامْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ
[ هود : 71 ] فهنا قيام معهود ذو دلالة مرئية . وقد يكون هذا على سبيل الاستعارة كما في قوله عز وجل :
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ
[ البقرة : 188 ] ، فالأكل مجازي وقد تكون الاستحواذ عليها باليد والورق ، لكن الأكل هنا يؤكد الطبع البهيمي للعصاة الذين يعيشون كالحيوانات ، فهو أكل ولكن المأكول مما لا يدخل الفم عادة ، فهذه غرابة تدل على وحشية العاصي ونفور الإنسانية منه . وثمة أفعال أخرى تسند إلى اللّه عز وجل ، فتغدو ذات دلائل ثانوية كثيرة منها الفعل البطولي « ومى » كما في الآية الكريمة :
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى
[ الأنفال : 17 ] ، وهي آية واردة بكثرة في كتب المتكلمين ، لأنها تدل على أن اللّه عز وجل يخلق الأفعال . والذي يهمنا أن فعل « رمى » يتجلى من حيث نهاية الهدف ، نهاية الحركة ، ويبقى مبدأ الرمي غيبيا يثير التصورات الكثيرة ، إنه الغيب يتجلى في فعل بشري ، هذا التجلي يكسب الرمي المعهود صفات جديدة جلالية خاصة بالمقام العالي . ومنه الإطعام الذي نتصور فيه جلب الطعام والأيدي والأفواه مما هو معهود ، جاء في الآية الكريمة :
قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ
[ الأنعام : 14 ] ، ولا شك أن المقصود خلق مسببات الإطعام ، ولكن فعل « يطعم » فيه دلالة كبرى على التكريم والإنعام .