تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات فنيه في القرآن الكريم — صفحة 545

مساهمون:

ص٥٤٥
يحيط بكل مساحة هذا الفعل الرامز إلى مصدر العلوّ والهيمنة ، لأنه من عند الخالق ، ففيه يتجلى الهول الأعظم ، على الرغم من أن فعل « أخذ يأخذ » محدود الدلالة في استعمالنا ، كل هذا من القوة الغيبية التي تدخلت في توسيع الدلالة . ويمكن أن نذكر قوله تبارك وتعالى :
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ
[ آل عمران : 11 ] ، فالأخذ هنا له تجليات مختلفة وفضاءات متسعة متعددة ، لأنه عبارة عن تغييب شامل معبر عن حقارة شأنهم وضآلة جسومهم رغم تجبرهم وتكبرهم ، وهو أخذ دال على حركة لا نعرف لها اتجاها . ويمكن أن نتلو شواهد أخرى تؤكد ما ذهبنا إليه من خصوصية الأخذ هنا وتعدد دلالاته ومزجه بين الواقع والتصور بين الممكن والمحتمل ، قال تعالى :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ
[ الأنعام : 42 ] وهاهنا البأساء والضراء وسيلتان للأخذ غير القاضي عليهم ، بل إنه حركة شديدة مقطوعة للابتلاء . وقال تبارك وتعالى :
وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ
[ هود : 102 ] ، ويلحظ هنا تكرار هذا الفعل القريب الهائل الطاقة « أخذ » « أخذ » « أخذه » لتوكيد أنه عنيف مغاير لما يعهدون ، ونتصور معه امّحاء القرى وكأنها بقع كبيرة لا تلبث أن تزول في غير ما جهة . ومنه أيضا قوله عز وجل :
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ
[ غافر : 22 ] ، ولم ترد هذه الحركة إلا اسما أو فعلا ماضيا للدلالة على سرعة الحدث . ومنها القيام إذا أسند إلى اللّه عز شأنه اتسعت الصورة أمام الذهن والبصر ، وامتزجت الأخيلة بالوقائع ، وذلك لشيات غيبية متصلة