وتعالى :
وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ
[ غافر : 5 ] ، من خلال افتراض مترادفات تسد مسد هذا الفعل .
فقال : « هل تقع في الحسن موقع قوله « ليأخذوه » كلمة ، وهل تقوم مقامه في الجزالة لفظة ، وهل يسدّ مسدّه في الأصالة نكتة لو وضع موضع ذلك « ليقتلوه » أو « ليرجموه » أو « لينفوه » أو « ليطردوه » أو « ليهلكوه » أو « ليذلّوه » ونحو هذا ما كان بديعا ولا بارعا ولا عجيبا ولا بالغا » « 1 » .
ويبدو أن الباقلاني قد فهم امتداد دلالة الأخذ واتساع فاعليته الوجودية ، فهذا الفعل يدل على غاية العنف خلافا لسائر أفعال الإجرام التي افترضها ، كما يدل على قوة الباطش وسهولة البطش ، فالرسول لقمة سائغة ، وكأنما تصور المفردة ضآلة حجمه وضخامة حجومهم ووحشيتهم .
ومن هذا أيضا قوله تبارك وتعالى :
حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً
[ الأنعام : 44 ] ، ويقول الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي : « وأي تصوير لضئلة شأنهم ونسيانهم أنفسهم أبلغ وأروع من هذه الكلمة » « 2 » .
وهكذا يتجلى أن الأخذ غاية العنف ، لأنه حركة قوية نحو الداخل ، فهي تتسم بالثقة والقوة بخلاف القوة الدافعة بالطرد أو النفي أو مجرد الإهلاك ، والأخذ قوة كبرى إذن إذا كان من البشر ، وهو قوة غير محدودة المعالم إذا كان من اللّه عز وجل ، فله جانب غيبي وهو جمالي لأنه معرفي يتصل بحقيقة الدين .
ففي الآية الأخيرة يسند الفعل القوي إلى الخالق الذي تنصاع له كل الكائنات ، فيزداد عنفا ومساحة في الترهيب ، ولا يستطيع الذهن أن
هامش
( 1 ) إعجاز القرآن ، الباقلاني ، ص / 197 .
( 2 ) من روائع القرآن ، د . محمد سعيد رمضان البوطي ، ص / 171 .