منطقة ، وأصالة عربيته ، بحيث تكون هذه اللفظة إذا سقطت من الكلام عزّت الفصحاء غرابتها » « 1 » .
ويستشهد بالآية الكريمة :
يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ
[ غافر : 19 ] ، ولا يبيّن لنا سمة هذا التفرد ، فلا يكفينا أن تعرف أن القرآن الكريم استقلّ بهذه الصيغة أو تلك ، فهذا حكم ذاتي غير مقنع ، إنما نريد التوصل إلى الأبعاد الجمالية .
وكذلك يقف عند كلمة « فزّع » من قوله تبارك وتعالى :
حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ
[ سبأ : 23 ] ، فهو يقول : « فانظر إلى لفظة « فزّع » وتأمل غرابة فصاحتها ، لتعلم أن الفكر لا يكاد يقع عليها » « 2 » .
ولعل الأمر يتجاوز الفصاحة التي تدل على الجمال الشكلي ، فإن الأمر يتصل بالمحتوى ، ولعل جمال « خائنة » يكمن في صيغتها على اسم الفاعل ، فهي تدل على الحركة أكثر من الاسم ، وتفيد الكثرة في استمرارها ، ثم هي من الفرادة لكونها تقدم صورة تشخيصية ، إذ يستعار فعل الخيانة للأعين ، فكأنما كثرت الخيانة عند هذا الفاعل حتى صارت العيون منه خائنة بذاتها ، فثمة تجلّ من الداخل إلى الخارج في ملامح بشرية نفسية ، فنحن إزاء خائنين : الشخص ذاته والعينين .
ونستطيع تفسير كلام ابن أبي الإصبع حول كلمة « فزّع » وغرابة فصاحتها ، بل بلاغتها وهو الأحق ، بأن هذه الكلمة تقدم صورة باطنية ، وقد بني الفعل للمجهول لينشغل المتلقي بالحركة عن مصدرها ، فتزداد حضورا وكأنّها تصوّر هذا الفزع وقد انتزع بأكمله من قلوب الكافرين تبعا لإشارة التضعيف على الزاي ، وكأن الفزع يكشط كشطا عن جسم
هامش
( 1 ) بديع القرآن ، ص / 286 ، وانظر كتابه : تحرير التحبير ، ص / 415 .
( 2 ) بديع القرآن ، ص / 288 ، وانظر : تحرير التحبير ، ص / 418 .