تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات فنيه في القرآن الكريم — صفحة 539

مساهمون:

ص٥٣٩
النفسية ، وهو يعوّل على الواقع الملموس ، والتجربة البشرية ، وطبيعة النفس البشرية ، وأحيانا يتخذ المعيار اللغوي حكما ومنطلقا إلى تأويل جمالي وإشعاع نفسي في المفردة ، بيد أن الجانب النفسي للدلالة الخاصة يستحوذ على جل الاهتمام في أغلب لمحات الزمخشري . ومن شواهده ما جاء في تفسيره للآية الكريمة :
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ
[ البقرة : 210 ] ، ويقف عند كلمة الغمام وجمالها عند يحكّم طبع الإحساس بالفجاءة ، وهذا الحكم يعتمد على طبيعة النفس البشرية . يقول : « فإن قلت : لم يأتيهم العذاب في الغمام ؟ قلت : لأن الغمام مظنة الرحمة ، فإذا نزل منه العذاب كان الأمر أفظع وأهول ، لأن الشر إذا جاء من حيث لا يحتسب كان أغمّ ، كما أن الخير إذا جاء من حيث لا يحتسب ، كان أسرّ ، فكيف إذا كان الشر من حيث يحتسب الخير ، ولذلك كانت الصاعقة من العذاب المستفظع لمجيئها من حيث يتوقّع الغيث ، ومن ثمة اشتدّ على المتفكرين في كتاب اللّه قوله تعالى :
وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ
[ الزمر : 47 ] » « 1 » . ويرى الدكتور مصطفى الجويني أن « شخصية الزمخشري قد طغى عليها العاطفة الدينية في الأمور الجمالية . . . » « 2 » . ويبدو لنا جليا أن الدين والجمال لا ينفي أحدهما الآخر في الدرس البياني للقرآن الكريم ، كما أن مظاهر الجنة المرسومة في الخطاب الإلهي تعدّ دروسا في دربة الإحساس الجمالي من حيث إشراك الحواس البشرية
هامش
( 1 ) الكشاف : 1 / 353 . ( 2 ) منهج الزمخشري في تفسير القرآن وبيان إعجازه ، د . مصطفى الجويني ، ص / 186 .