تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات فنيه في القرآن الكريم — صفحة 540

مساهمون:

ص٥٤٠
في تلقّف الجميل ، وكذلك مظاهر النار وتلقّف مظاهر القبيح المرعب ، فالجمال والدين يتعاوران البيان القرآني في الكشاف ، والجمال في القرآن الكريم ليس جمالا يقصد لذاته ، بل هو مسخّر في نهاية الأمر للأغراض الدينية . ويستشعر الزمخشري حسرة الأم التي تلد الأنثى في قوله عز وجل عن امرأة عمران :
فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ
[ آل عمران : 36 ] ، فالوقفة الجمالية هنا تتوزع حول المفردة ثم تتركز عليها ، وهو شاهد يوضح أكثر ما يكون الدلالة الخاصة الموحية عنده . يقول : « إن قلت : فلم قالت : إني وضعتها أنثى ، وما أرادت إلى هذا القول ؟ قلت : قالته تحسّرا على ما رأت من خيبة رجائها ، وعكس تقديرها ، فتحزّنت إلى ربها » « 1 » . أي خرج الكلام من نطاق الإخبار لأن الطرفين على علم بمضمونه ، إنما هي شكوى وحسرة وانكسار ، فقد كانت ترجو أن يكون المولود صبيا ، لكي يخدم بيت اللّه المقدّس ، وليست الحسرة لمجرد كون المولود أنثى كما كانت الأمور في الجاهلية ، فهي كانت تظن أن الذكر أولى بالنّذر من الأنثى ، وإلا فكمال العبودية يمنع من هذه الحسرة ، وهذا ما فات الزمخشري ذكره لأنه ضرورة دينية . وقد سمى ابن أبي الإصبع هذه الجمالية « فرائد القرآن » ، ويذكر التعريف : « وهو مختص بالفصاحة دون البلاغة ، لأنه عبارة عن إتيان المتكلم في كلامه بلفظة تنزل منزلة الفريدة من حبّ العقد ، وهي الجوهرة التي لا نظير لها ، تدلّ على عظم فصاحته ، وقوة عارضته ، وجزالة
هامش
( 1 ) الكشاف : 1 / 425 .
دراسات فنيه في القرآن الكريم — صفحة 540 | أحمد ياسوف