تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات فنيه في القرآن الكريم — صفحة 536

مساهمون:

ص٥٣٦
الْمُوقَدَةُ
[ الهمزة : 4 - 6 ] ، فقد عدل البيان الإلهي عن الإحراق إلى التحطيم ، لأن إيلام النار المحطمة أقوى ، ولا يحيط به تصوّر بشري ، كما عدل عن الرؤية إلى الظمأ لعمق الصلة بالجسم ، فصارت الصورة داخلية بعد كونها بصرية خارجية ، وصار في الإمكان توقع المزيد من التأثير مع بروز العالم الداخلي والأعضاء الداخلية . والجديد في هذه المفردة أنها تقدم معالم فريدة ، لا تتحقق في عالم الأرض فالنار كتلة غير كثيفة ولا تحطم وإن أذابت الحديد في الأرض ، فصارت الكلمة قوة صوتية تشير إلى قساوة قلوب الكفرة وكأنها أحجار تتكسّر مع النار ، بل إن الصيغة « الحطمة » من التحطيم غير معهودة ، مما يواكب طبيعة هذه النار الجديدة ، وهذه الفاعلية ، وهذا التحطيم الغريب . وإذا كان الرماني قد وجد أن هذا ما يتطلبه التأثير الأقوى والجمالية العليا ، وهذا مناسب للموقف ، فإن أبا هلال العسكري يصنّف مثل هذه اللمحة الفنية تحت عنوان « المبالغة » ، وهو ما لا نرتضيه في البلاغة القرآنية كما أسلفنا . ومن شواهد أبي هلال قوله عز وجل :
يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ
[ الحج : 2 ] ، وقد قال : « ولو قال : تذهل كل امرأة عن ولدها لكان بيانا حسنا ، وبلاغة كاملة ، وإنما خصّ المرضعة للمبالغة ، لأن المرضعة أشفق على ولدها ، ولمعرفتها بحاجته إليها ، وأشغف به لقربه منها ولزومها له » « 1 » . ونقف عند قوله عز وجل عن أهل الكتاب من اليهود الذين كتموا خبر النبي المبعوث عليه الصلاة والسلام :
أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ
[ البقرة : 174 ] ، وقد عني الشريف الرضي بمجازات القرآن الكريم
هامش
( 1 ) الصناعتين ، ص / 365 .
دراسات فنيه في القرآن الكريم — صفحة 536 | أحمد ياسوف