وتصرفاته في الموجودات بغير ما نعهد ، فلا تظل المفردة معجمية حرفية .
وقد قال لاسل آبركرمبي : « المعنى الذي نجده في معاجم اللغة ما هو إلا النواة التي يتجمع حولها طائفة من المعاني الثانوية ، فالنواة تدل على شيء أو حدث ما ، وأما المعاني الثانوية فتدل على النواحي المتعددة المتنوعة لذلك الشيء أو الحدث ، وكثير من المهارة الأدبية عبارة عن إطلاق تلك المعاني الثانوية ، لتؤثر تأثيرها في الخيال » « 1 » .
وقد وقف الدكتور محمد حسين علي الصغير عندما سماه بالدلالة الهامشية ومن شواهده كلمة « ثابت » في قوله عز وجل :
أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ
[ إبراهيم : 24 ] ولكنه لم يوفق في إبراز هذا المصطلح إذ قال : « فيها دلالة هامشية بالكناية عن علو الشجرة ورفعتها وسموها ، وتأكيد لرسوخ الأصل ، لأن الأصل إذا رسخ ارتفع الفرع » « 2 » .
ولن نقف في هذه الفقرة عند الفروق اللغوية ، إنما سنذكر بعض المفردات التي كانت لها إشعاعات خاصة من خلال السياق الذي يحتويها ، بحيث لا يسد مسدّها غيرها في المكان ، فتتفرّد بمكانها من حيث ملاءمة أقصى التأثير ، ولن نبخس ما ورد عند الدارسين القدامى في هذا الشأن . ولذلك سنأتي على ذكر نماذج من تطلعاتهم النفسية الفنية .
قال عز وجل في وصف أعمال الكافرين ،
كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً
[ النور : 39 ] ، وكانت للرماني أولى الملحوظات الفنية ، إنه ينظر في استكمال عناصر الصورة في المشبه به قائلا : « ولو قيل يحسبه الرائي ماء ، ثم يظهر على خلاف ما قدّر لكان بليغا ، وأبلغ منه لفظ القرآن ، لأن الظمآن أشدّ حرصا عليه ، وتعلّق قلب به » « 3 » .
هامش
( 1 ) قواعد النقد ، لاسل آبركرمبي ، ص / 40 .
( 2 ) الصورة الفنية في المثل القرآنية ، د . محمد حسين علي الصغير ، ص / 283 .
( 3 ) ثلاث رسائل في الإعجاز ، ص / 75 .