تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات فنيه في القرآن الكريم — صفحة 535

مساهمون:

ص٥٣٥
وهكذا لا يكتفي الرماني بجمال التشبيه الحسي الذي حقق التجسيم ، بل يؤكد لنا إحكام الصورة البصرية بما يؤثر تأثيرا حسيا هو أعلق بحاسة الذوق عند المتلقي ، ومن الواضح عدم الترادف بين الظمآن والرائي ، وإن الميل إلى الحسية يؤكد الحد الأقصى من التأثير في الإنسان ، لأن أقوى متطلباته تتعلق بالحسية . ولكن يبدو لنا أن الظمآن تكتسي بملامح ذهنية ، وتمزج بين الحس والروح ، فإن الظمأ يومئ إلى تطلب المعارف اللازمة للإيمان ، وهي مفقودة في حركة الكافر ، كما أن الظمأ صفة سلبية تقترن بأهل النار ، فالكلمة تذكّر بالعاقبة ، وتؤكد أن ارتواء الروح لا يكون إلا مع الإيمان . ومن الأوصاف الحسية ما جاء في قوله عز وجل :
نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ
[ لقمان : 24 ] ، وقد اقترنت كلمة « غليظ » بالميثاق ثلاث مرات في قوله تعالى :
وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً
[ النساء : 21 ] عن إمساك الزوجات أو تسريحهن ، وقال تبارك وتعالى عن بني إسرائيل :
وَقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً
[ النساء : 154 ] ، وقال عز وجل :
وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً
[ الأحزاب : 7 ] . وتشير كلمة « غليظا » هنا إلى أهمية الرسالة السماوية وصدق الأنبياء ، وكأنه جسم سميك يعزل أجسام الأبرار وأرواحهم عن الخطيئة ، وكأنه حصن محيط ، كما أن غلظ العذاب مناسب للشعور بوطأته القوية على جسوم الآثمين ، فالانتقال تم من حسية إلى حسية أعمق تأثيرا من المجرد إلى البصري ، إلى الملموس ، لأن الميثاق معنى ذهني ، والغلظ يدل على تأكيده . ويمكن أن تجد هذا الإيغال الحسي الذي يقدم معالم جديدة للمفردة في قوله عز وجل :
كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ ( 4 ) وَما أَدْراكَ مَا الْحُطَمَةُ ( 5 ) نارُ اللَّهِ
دراسات فنيه في القرآن الكريم — صفحة 535 | أحمد ياسوف