تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات فنيه في القرآن الكريم — صفحة 530

مساهمون:

ص٥٣٠
هذا الاستعمال في القرآن الكريم ، فلا حجة من المعجم ، بل هو سياق خاص يحدّد معالم الفعل المستعمل وحيّزه الزمني . ولا يتأثر الزركشي بسلفه الخطابي الذي رأى خصوصة « فعل » بالعقوبات ، وقد اختص « فعل » أيضا بالأفعال القبيحة من البشر كما ورد في الآية الكريمة :
أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ
[ الأعراف : 173 ] ، وقوله عز وجل :
كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ
[ المائدة : 79 ] . وهكذا دلّنا الزركشي إلى أن « فعل » إذا نسب إلى اللّه فإنه يتسم بالسرعة والقوة ، ولا يقتصر الأمر على معنى العقوبة كما مرّ بنا في الفصل الأول من كلام الخطابي « 1 » إذ يقول عز وجل :
كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنا إِنَّا كُنَّا فاعِلِينَ
[ الأنبياء : 104 ] ، وكل مظاهر القيامة المروّعة تتسم بالسرعة والقوة . من يطالع أسفار الدارسين القدامى يجد أن هذه المادة أي - مناسبة المقام - وفيرة ، وذلك لأسباب عدة ، وهي أنهم ناضلوا بإخلاص جاهدين للرّدّ على الملاحدة الذين يدّعون التناقض في القرآن الكريم ، والخطل في استعمال مفرداته ، فكان لا بدّ من تبيين سبب ذكر الانبجاس في موضع ، والانفجار في موضع آخر وعلّة تقديم موسى على هارون في موضع ، وهارون على موسى في موضع آخر عليهما السلام . ويضاف إلى هذه الغاية الدينية الخالصة محبّتهم العميقة لأسلوب كتاب دنياهم وآخرتهم ، فمنه استلهموا أسس حياتهم ، وأرسوا قواعد مجدهم ، وهذا مما حدا بهم على إبراز جماليات دقة الاختيار في الكتاب المعجز .
هامش
( 1 ) انظر : ثلاث رسائل في الإعجاز ، ص / 53 .