المفردة إلى نفسيهما فيستميلهما إلى اتباع الحق .
كنا قد تكلمنا على مناسبة الفروق للسياق في الفصل الأول ، وهاهنا نؤكد هذا من خلال نماذج مقبوسة من عند الزركشي الذي كان ينفي الترادف قائلا : « على المفسّر مراعاة الاستعمالات ، والقطع بعدم الترادف ما أمكن فمن ذلك الخوف والخشية لا يكاد اللغوي يفرّق بينهما ، ولا شك أن الخشية أعلى من الخوف ، وهي أشدّ الخوف ، فإنها مأخوذة من قولهم : شجرة خشيّة ، إذا كانت يابسة ، وذلك فوات بالكلية ، والخوف من قولهم : ناقة خوفاء ، إذا كان بها داء ، وذلك نقص ، وليس بفوات ، ومن ثمة خصّت الخشية باللّه تعالى في قوله سبحانه :
وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ
[ الرعد : 21 ] « 1 » » .
وهذا الجنوح إلى الأصل الحسي للمفردة قبل الاصطلاح الذهني المجرد مستفاد من سفر الراغب الأصفهاني « المفردات في غريب القرآن » الذي وضعه في القرن الخامس الهجري وردّ فيه الكلمات القرآنية إلى أصولها الحسية وهو صنيع الزمخشري في « أساس البلاغة » ، فثمة فرق بين العدم والنقص أدى إلى الفرق بين الخشية والخوف ، ولكن نفيد هنا في هذه الآية على وجه الخصوص أن اقتران الذات الإلهية بالخشية واقتران لسوء العذاب بالخوف ، دليل على أن خوف الإنسان من الخالق أكبر من الخوف من مخلوقاته ، لأن عند اللّه ما هو غير محدود من ثواب وعقاب ، كما أن الفرح بلقاء اللّه أعمق من الفرح بعطاءاته المخلوقة ، فالنفس تنزع إلى غير المحدود وترغب فيه ، وتخشى غير المحدود وترغب عنه أكثر من غيره .
وكأنما أراد الزركشي أن يربط بين الطابع الحسي في الصل ، وبين
هامش
( 1 ) البرهان : 4 / 93 ، وانظر : معترك الأقران للسيوطي : 3 / 602 .