تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات فنيه في القرآن الكريم — صفحة 526

مساهمون:

ص٥٢٦
وهكذا تخرج الكلمة عن نطاقها المعجمي محملة بفضاءات متعددة من جرّاء بعدها الديني الغيبي ، وليس هذا كوصف الآلهة وصراعهم في الإلياذة وسائر أساطير اليونان ، لأن الوصف هناك سفّه هذه الآلهة و « أنسنها » إن صح التعبير . وفي سورة يوسف تتكرر كلمة السجن تبعا لمقتضيات محنة يوسف عليه السلام ، إذ وردت ستّ مرات فيها . والملحوظ أنه أضيف الصاحبان إلى السجن مرتين في هذه السورة على لسان يوسف عليه السلام ، فالآية الكريمة تقول :
يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ
[ يوسف : 41 ] . فالتركيز على صحبة السجن إبراز للمحنة والضعف البشري ، ومحدودية الجدران تومئ إلى محدودية الحياة الدنيا ، جاء في الحديث النبوي : « الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر » « 1 » فلا بد من الاعتبار والنزوع إلى المطلق الذي لا يكون إلا مع الواحد القهار وقد وصفه بالقهر ، لإبراز قوته فوق قوة السجان والملك كما في الآية :
يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ
[ يوسف : 39 ] . ولعل لهذه المفردة بعدا نفسيا آخر ، إذ توحي إلى إحاطة زوجة العزيز بيوسف عليه السلام وتغليقها الأبواب ، فكانت سجنا له تخلّص منه إلى هذا السجن الخالي من الخطيئة ، وفي التعبير بالسجن إشعار بالضيق النفسي الذي يشعر به يوسف عليه السلام ، وإشعار بتواضعه إزاء المسجونين ، فكلهم سواء ، مجرم في نظر القانون ، ولعله يعبر من هذه
هامش
( 1 ) مسلم ، الزهد ح ( 2926 ) ، والترمذي ، الزهد ح ( 2325 ) ، وابن ماجة ، الزهد ح ( 4113 ) ، ومسند أحمد : 2 / 323 .