تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات فنيه في القرآن الكريم — صفحة 525

مساهمون:

ص٥٢٥
الكم ، بل طلبت الكيفية ، لأن هذا مناسب لشدة التعلق بالآباء والمشقات التي يتكبدها العربي في الحرص على المفاخرة بالآباء والأجداد ، فكلمة « أشد » تومئ إلى مظاهر حسية يدركونها في واقعهم العربي . كذلك تتجلى المظاهر الحسية في كلمة « أكبر » من قوله تعالى :
* يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما
[ البقرة : 219 ] فقد وصف الإثم بالكبر ، ولهذا التوصيف توظيف نفسي ، يجعل المؤمن ينفر من حب جمع المال وتراكمه ما دام هذا الإثم يتجلى متراكما لهذه الأموال ، وكذلك قوله « أكبر » ، لأن منافع التجارة كثيرة فقدم لهم الإثم جسما محسوسا يخشى من كبره وتغطيته للنفس . هذا التنفير واقعي يقتلع الجريمة من جذورها ، وإن التعبير أعمق أثرا من وصف الإثم بالعظيم وأعظم ، لأن هاتين المفردتين تبقيان في نطاق الذهن ، ولا تنفذان إلى النفس عن طريق الحواس ، فتهيمن على النفس وتستجلب الحواس التي تملك ذاكرة لعبوره . ومن الواقع المجرب والمشاهدات المعهودة كلمة « حرب » من قوله عز وجل عن فاحشة الربا :
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ
[ البقرة : 279 ] ، وهي آخر ما نزل في الربا ، ولم يذكر العقاب وتجلياته الغيبية هنا ، لأن للحرب وقعا عميق الأثر على النفس ، إذ جرّبوا أهوالها والحرب تعني القطيعة ، وتعني المواجهة العنيفة والاستعداد من الطرف الآخر ، وهذا يومئ إلى كون الربا يفسخ المجتمع ويقضي على أواصره ، وفيه إيماءة إلى الانشغال بالجهاد للحصول على المغانم ، بدلا من قطع رقاب المؤمنين بتزايد الديون ، وهي « حرب » في حال تنكير إيغالا في تهويلها ، حتى لا يحيط بها ذهن إن تجلت حربا معنوية وإن تجلت حربا حسية ، لأنها « حرب من اللّه » الخالق لا المخلوق .