نلحظ إذن أن الجانب الموسيقى يطغى على إحساس ابن الأثير بالفروق اللغوية ، فإذا كان قد تحدّث فيما سبق عن الخفة والعذوبة ولذة السمع وسهولة النطق وغير هذا ، فإنه هنا يحتج بشكلية المفردات ، فيعدّ الحروف ، وينتبه إلى الوزن ، ثم يعود إلى الذوق وكأنه يريد أن الاستعمال القرآني وجود لا يفسّر ، وينبغي أن يتّبع .
ويبدو لنا أن الأمر يعود إلى الدلالة الإيحائية في الشاهدين السابقين ، وذلك أن مادة كل منهما تختلف كل الاختلاف عن مادة اللفظة الأخرى ، ولها حيز ذهني خاص ، فمادة « الجوف » توحي بالضمور والخلو والانحسار والعمق ، خصوصا بما يرسمه حرف الجيم ، وبعده حرف الواو الساكن ، ثم حرف الفاء الذي تنضم عنده الشفاه من دلالة إيحائية تناسب العالم الشعوري الخفي عند الإنسان .
وذلك على عكس « البطن » التي توحي بالنتوء والبروز والانكشاف ، وهي أنسب للحامل من مادة « الجوف » ، فالجنين المكنّى عنه بقوله تعالى على لسان أم مريم عليها السلام « ما في بطني » يناسبه كثيرا النتوء والبروز والانكشاف ، مثلما هي حال الحامل ، وتبعا لذلك استحق السياق مفردة « بطن » لا « جوف » « 1 » .
ولقد اطّرد استعمال البطن للحامل في القرآن الكريم ، كما في قوله تبارك وتعالى :
وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ
[ النجم : 31 ] ، وفي تصوير أجواف الكفار قال تعالى :
إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ ( 43 ) طَعامُ الْأَثِيمِ ( 44 ) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ ( 45 ) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ
[ الدخان : 43 - 46 ] ، والمهل ما يبقى من أسفل الزيت ، أما الحميم فهو الماء الحار ، فتعبر الكلمة عن الانكشاف بعد كثرة الأكل ، إنه امتلاء الآكل بالطعام ، وتذكيره بنهمه في
هامش
( 1 ) مقالة : جماليات المفردة القرآنية عند ضياء الدين ، د . عيسى العاكوب ، ص / 29 .