تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات فنيه في القرآن الكريم — صفحة 522

مساهمون:

ص٥٢٢
بالكثير من اهتمامه ، فهو إذن لا يقدم معايير واضحة مما أذن له بتطلعات فردية تحتاج إلى تفسير على الأغلب . ويعود السبب إلى انشغاله الكبير بالجمال الموسيقى ، وجمال الصيغ والتركيب الداخلي للمفردات ، أو دعي عند السابقين بالفصاحة ، فإذا أعجب بوجود كلمة في القرآن الكريم ، واستقبح وجودها في الشعر ، فإن هذا يعود إلى إيقاع الآية ، وموقع الكلمة في هذا الإيقاع ، ونغمة حروفها . وإذا أنعمنا النظر في كتابه ألفينا أن معيار الذوق هو الذي يفرّق فيقبل ويرفض ، وهو ذوق سليم مرتبط بالفطرة ، ومن هذا وقوفه عند الفرق بين البطن والجوف في الآية الكريمة :
ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ
[ الأحزاب : 4 ] ، والآية الكريمة على لسان أم مريم عليها السلام :
رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً
[ آل عمران : 35 ] . يقول ضياء الدين : « ومن الذي يؤتيه اللّه فطرة ناصعة يكاد زيتها يضيء ، ولو لم تمسسه نار ، حتى ينظر إلى أسرار ما يستعمله من الألفاظ ، فيضعها في موضعها ، ومن عجيب ذلك أنك ترى لفظتين تدلان على معنى واحد ، وكلاهما حسن في الاستعمال ، وهما على وزن واحد ، وعدة واحدة ، إلا أنه لا يحسن استعمال هذه في موضع تستعمل فيه هذه ، بل يفرّق بينهما في مواضع السبك ، وهذا لا يدركه إلا من دقّ فهمه ، وجلّ نظره ، فاستعمل الجوف في الأولى ، والبطن في الثانية ، ولم يستعمل الجوف موضع البطن ، ولا البطن موضع الجوف ، واللفظتان سواء في الدلالة ، وهما ثلاثيتان في عدد واحد ، ووزنهما واحد أيضا ، فانظر إلى سبك الألفاظ كيف يفعل » « 1 » .
هامش
( 1 ) المثل السائر : 1 / 143 .
دراسات فنيه في القرآن الكريم — صفحة 522 | أحمد ياسوف