تسيل من الدمع من أجل البكاء ، من قولك : دمعت عينه دمعا » « 1 » .
وقد يجتمع أكثر من معيار جمالي في رصد جمال المفردة عند الزمخشري فمرة يكون للنفس حظ كبير ، ومرة يفتح بالشرح اللغوي أبواب تملّي الجمال ، فنجد في الآية السابقة إيثار « تفيض » التي تتصل بالمياه الغزيرة المتدفقة ، وكأن جفونهم ينابيع تفيض بالدمع الذي هو دلائل على عمق الإيمان .
فالكثرة في الفيض تعني تجلّي الضخم المعهود لدى النهر في موضع صغير وهو العين ، وهذا يومئ إلى مساحة الإحساس المتسعة عند أولئك الذين يتجاوز إيمانهم حدود الموجودات ، فتكون مشاعرهم عظيمة وعيونهم التي هي مرآة لمشاعرهم أكبر مما يعهد ، وهو اتساع مريح ، بخلاف اتساعات جهنم التي تفيد الرعب .
ونضيف الكثرة مقصودة لأنها معبرة عن المضمون ، كما أن الفيض يعبر عن استمرار أكثر مما يعبر الامتلاء ، فلا انقطاع في حركة الصورة البصرية ، فالفيض امتلاء بعد امتلاء ، وقد ينقص القدامى في مواضع متعددة الكثير من التخيل ، بيد أن هذا لا يمس الزمخشري إلا قليلا .
ولا يعني ما سبق أن الزمخشري بمنأى عن المزالق التي تبعد عن المعنى الحقيقي إذ قد يتأثر بمفهوم خاطئ ، وهو يسعى نحو إبراز أهمية المفردة من غير أن يقصد الانزلاق والمساءة ، ومن هذا وقوفه عند بداية سورة المزمل :
يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ( 1 ) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا
[ المزمل : 1 - 2 ] .
يقول : « وكان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نائما بالليل متزمّلا في قطيفة ، فنبّه ونودي بما يهجّن إليه الحالة التي كان عليها من التزمل في قطيفته ،
هامش
( 1 ) الكشاف : 1 / 638 .