لذلك ، وإنما كنى عن الغيبة بأكل لحم الإنسان ، وأوعد الذي اغتاب ولم يتب بأكل لحم أخيه ميتا ، ذلك أن الغيبة فيها ذكر المثالب والمعايب ، وفيها تمزيق الأعراض والطعن فيها ، وهذا مماثل لأكل لحم الإنسان بعد تمزيقه وتقطيعه في كونه مستكرها ومستقبحا في الشرع الحكيم ، وعند أهل العقل السليم والذوق الصحيح ، وقوله تعالى :
لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً
[ الحجرات : 12 ] وهكذا المغتاب لا يشعر « 1 » .
وثمة إيغال في البشاعة الحسية يتجلى في إيراد كلمة الأخ وإسناد اللحم المأكول إليه ، « وإذا كان لحم الأجنبي مستكرها خبيثا ، فما بالك بأكل لحم الأخ ، فلا شك أنه أشد كراهة وخبثا ، فإذا أضفت إلى ذلك أنه ميت ، اشتدّ أمر الكراهة وعظم شأنها حتى تتقذّره النفس وتتقيّؤ منه ، ومن المألوف أن يكون المغتاب غائبا ، فكان ذلك بمنزلة الميت الذي لا يسمع ولا يعي ما يتقوّل من الأقاويل » « 2 » .
ويوازن الزمخشري بين فعلي « دمعت » و « تفيض » ، وقد ورد الأخير في قوله عز وجل عن الرهبان :
تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ
[ المائدة : 83 ] ، ويردنا إلى الأصل اللغوي مما يجعلنا نتأمل معه إسهام هذه المفردة والتصوير بالاستعارة ، تلك الكلمة اللامعة في هذا السياق ، لطبيعتها الانزياحية المعبرة .
يقول : « معناه تمتلئ من الدمع حتى تفيض ، لأن الفيض أن يمتلئ الإناء أو غيره حتى يطلع ما فيه من جوانبه ، فوضع الفيض الذي هو من الامتلاء موضع الامتلاء ، وهو إقامة المسبّب مكان السبب ، أو قصدت المبالغة في وصفهم بالبكاء ، فجعلت أعينهم كأنها تفيض بأنفسها : أي
هامش
( 1 ) حول تفسير سورة الحجرات ، الشيخ عبد اللّه سراج الدين ، ص / 217 .
( 2 ) القرآن والصورة البيانية ، د . عبد القادر حسين ، ص / 226 .