وكلمة غم عند صاحب درة التنزيل تتخذ تأثيرا شديدا لصلتها بالطابع الحيواني الذي يذكّر بمسلك الكفرة المنحطّ في الأرض عقيدة وتصرفات ، وكذلك ترسم الأجواء الخانقة ، لأن المعذب محوط من كل جانب ، فهو داخل سجن من نار ، وسجن يحيط بذاته ، فالمحاصرة ألم نفسي يزيد الألم الحسي .
وقال تعالى :
وَآتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً
[ النساء : 4 ] ، ونجد طيبة النفس أعلى درجات الرضاء .
ويمكننا هاهنا أن نذكر وقفات الزمخشري التي بسط فيها الظلال النفسية ، فضلا عن تأمله النابع من معرفته بالفروق اللغوية بين الكبير والعظيم ، وبين الأذى والضرر ، مؤكدا حقية المفردة بالسياق وإشعاعها النفسي .
يقول في الآية السابقة : « ولم يقل : فإن وهبن أو سمحن إعلاما بأن المراعى هو تجافي نفسها عن الموهوب طيبة ، وقيل :
فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ
ولم يقل : ( فإن سمحن لكم عنه ) بعثا لهن على تقليل الموهوب » « 1 » .
فالكلمة تنم عن راحة صدرها التامة وهي تتخلّى عن بعض صداقها ، بل إن التركيب الصوتي يوحي بالسكينة والرضا ، إذ نجد الكسرة التي تومئ إلى التواضع ، ثم السكون ثم الفتحة المعبرة عن انفتاح النفس والرضا .
وكما نرى لا يمكننا أن نكتفي بمطابقة الحقيقة كما يكون في الاعتماد على اللغة ، والحق أن الزمخشري كثيرا ما يقف لإبراز بلاغة القرآن الكريم حتى في الآيات الفقهية التي تبين الأحكام الإسلامية ، وتبعه في
هامش
( 1 ) الكشاف : 1 / 499 ، وانظر : إرشاد العقل السليم : 2 / 1444 .