وفي موضع آخر
لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً
[ الكهف : 74 ] ، فتغيرت الكلمة الأخيرة مع أن القائل واحد ، وذلك لتطور الحدث القصصي الذي ناسبته الكلمة « إمرا » ثم « نكرا » .
وجاء في درة التنزيل : « قيل : الإمر إنه الداهية ، وقيل : إنه العجب ، والنكر ما تنكره العقول ، ولا تعرفه ولا تجوزه . . والنكر لا يستعمل إلا في الأمر المذموم الذي يخرج عن المعروف في العقل أو الدين ، فاختص الأول بالأمر ، لأن خرق السفينة التي لم يغرق فيها أحد أهون من قتل الغلام الذي هلك » « 1 » .
وهكذا يمهّد بالمعرفة اللغوية لبيان حق المفردة في الوجود دون غيرها ، لملاءمة الموقف ، ويمتاز أسلوب صاحب هذا الكتاب بالإحاطة ، فلا توجد آيات متشابهة الألفاظ إلا أوردها .
ويمتاز هذا الكتاب أيضا بدقة المعيار اللغوي ، ولكن لا يكتفي به في بعض الشواهد كما في تفسيره للآية الكريمة :
كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ
[ الحج : 22 ] ، وللآية الكريمة :
كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها أُعِيدُوا فِيها وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ
[ السجدة : 20 ] .
فقال عن زيادة « غم » في الآية الأولى : « فلما وصفهم بأن العذاب من جميع الجوانب اكتنفهم ، صاروا بإحاطة ذلك بهم ، وسدّ أنفاسهم عليهم بمنزلة البعير المغموم بالغمامة التي تسدّ منفسه ، فلا يجد فرجه ، والآية التي في سورة السجدة لم تشتمل من إحاطة العذاب بهم من ذكر الثياب من النار ، وصب الحميم ، وإذابة الشحوم » « 2 » .
هامش
( 1 ) درة التنزيل ، ص / 284 .
( 2 ) درة التنزيل ، ص / 309 .