تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات فنيه في القرآن الكريم — صفحة 514

مساهمون:

ص٥١٤
الآية ، لأنه لا يوليها الاهتمام اللازم ، فهو ينظر إلى التركيب الكلي ، وبتعبير آخر ، ينظر إلى النص كله بعد دخول المفردة فيه ، وينظر إلى العلاقة النحوية التي تعد منطلق الجمال .

أ - المعيارية والتذوق :

لقد مرّ بنا في الفصل الأول كيف ألمح الجاحظ بنظرة عميقة في كتابه « البيان والتبيين » إلى دقة النظم القرآني ومراعاة الفروق اللغوية الدقيقة ، فهي المحتكم الدال على مقدرة لغوية فائقة ومعرفة السياق الخاص الذي يتطلب لفظة ما ، وهكذا فرّق القرآن الكريم في أدائه بين الجوع والسغب ، وبين المطر والغيث ، فالسّغب جوع شديد ، والغيث للرحمة والمطر للعقاب ، فثمة حيثيات تراعى ، وأطر مكانية أو زمانية تقدّر . ويمكن أن نستشهد بالآية الكريمة :
وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ
[ يوسف : 17 ] ، إذ استخدم البيان القرآني كلمة الأكل دون الافتراس ، وهذا ما ألمح إليه الخطابي الذي راح يفنّد حجج الملاحدة والفساق الذي يدّعون إسفاف كلمات القرآن الكريم وتناقضه ، وبعد الكلمة المختارة فيه عن القانون القوي المعهود . يقول الخطابي : « فإن الافتراس معناه في فعل السّبع القتل فحسب ، وأصل الفرس دقّ العنق ، والقوم إنما ادّعوا على الذئب أنه أكله أكلا ، وأتى على جميع أجزائه وأعضائه ، فلم يترك مفصلا ولا عظما ، ذلك لأنهم خافوا مطالبة أبيهم إياهم بأثر باق منه يشهد بصحة ما ذكروه » « 1 » . فالمعارضون الملاحدة يرون صحة الاستخدام اللغوي في « افترسه » الذئب ، في حين يرى الخطابي أن البيان القرآني لا يتسم بالزلل والفوضى في إلباس المعاني بالألفاظ ، فثمة حيثيات خصوصية في الموقف تتطلب
هامش
( 1 ) ثلاث رسائل في الإعجاز ، ص / 37 .