تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات فنيه في القرآن الكريم — صفحة 512

مساهمون:

ص٥١٢
ولا نقصان ، ولا يكون الإيجاز قائما في مكان الإطناب ، ولا يكون الإطناب مكان الإيجاز ، لأن الفكرة هي المقدّمة ، وهي التي تحدّد أسلوبها ، وهذا أولى ما يكون ملائما لأن يتصف به النص الإلهي الذي يجمع بين الإقناع والإمتاع ، وبين الأداء الحق والتدبير الجميل . في هذه الفقرة نتحدث عن هذا الاحتواء الرائع من خلال انتقاء مفردة من المفردات لسياق مخصص ، أو من خلال تخصيص الدلالة اللغوية ، لتحقق إيحاء نفسيا ، أو توسع ظلال الدلالة اللغوية ، لتعدد المفاهيم والإشعاعات النفسية عند المتلقي . من هذا قوله عز وجل :
أَ ذلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ
[ الصافات : 62 ] ، فقد تجد عبارة « نزلا » معبرة عن المقام الطويل والاستراحة التامة ، وفيها من التصوير أنها تصوّر المنعم بنعيم الجنة غائصا في المباهج حتى تحيط به ، أو غائصا في العذابات المختلفة حتى تكاد تخنقه ، مع أن الكلمة معبرة عن جهة مدنية . والعلاقة بين الشيطان والمنافقين أو الكافرين ليس أقوى من أن تكون علاقة ولاء قال عز وجل :
إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ
[ آل عمران : 175 ] ، وكأنما ثمة عهد بين الطرفين ، حتى يغدو الشيطان مسؤولا عن تصرفات الطرف الثاني ومطالبهم ، فهم همّ له ، وهم جبهة له تعضد فكره . وقد تكون المفردة عادية جارية على الألسن ، فإذا قرئت في سياقها القرآني وجدنا لها طعما آخر ، وتأثيرا فريدا لا نعرفه في حدودها الطبيعية المتعارف عليها وفق المعنى المعجمي ، وإذا كان النقاد قد تحدثوا عن شعرية الشعر من خلال رؤيا الأديب ، فليس من المستبعد أن نتحدث عن قرآنية الكلمات ، هذه القرآنية التي تلبس الكلمات معالم غيبية وجماليات فريدة .