القرآنية ، كما وجدنا في الفقرة السابقة ما جاء في الحديث عن قوم لوط وقصة يوسف عليهما السلام .
وكما أن التهذيب لا يقتصر في القرآن الكريم على الأمور النسائية ، فكذلك اختزان التّهذيب ، فهناك الكثير من المفردات دلّ عمومها على ملاطفة وحسن خطاب ، ومن ذلك إطلاق كلمة « الناس » على المنافقين في قوله تعالى :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ
[ البقرة : 8 ] ، وهي أكثر ما وردت في سورة البقرة ، ونجد أنها مرة تعني الكفار ، ومرة تعني المنافقين ، ومرة تعني اليهود ، ومرة تعني بني آدم جميعا ، وهي تفيد عموم الرسالة السماوية ، فلا عصبية ولا قبلية ولا جنس أو عرق ، إلا أنّ عمومها في الحديث عن المنافقين يدلّ على ملاطفة الخالق لهم ، واستجلاب قلوبهم .
وفي هذا يقول الدكتور أحمد بدوي : « ألا ترى في اختيار كلمة « الناس » وعمومها عدم مجابهة المنافقين بتعيينهم ، وفي ذلك ستر عليهم ، وإغراء لهم بالإقلاع عن نفاقهم ، ذلك أنهم ما داموا لم يعيّنوا من المتوقع أن يصغوا للقرآن » « 1 » .
لقد كان في الإمكان ذكر أسماء شخصيات من اليهود والمسلمين الذين كانوا يظهرون الحقّ ويخفون الباطل ، ومثل هذا في قوله تبارك وتعالى :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
[ البقرة : 204 ] فالكلمة تشير إلى رؤوس النفاق ذوي الكلام المعسّل والضمائر الحاقدة ، وقوله عز وجل :
فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ
[ البقرة : 150 ] ، فهي تعني المشركين الذين يعرفون ملّة إبراهيم عليه السلام ، واليهود الذين قرءوا في التوراة عن قبلة النبي الجديد ، وفي هذا
هامش
( 1 ) من بلاغة القرآن د . أحمد بدوي ، ص / 28 .