تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات فنيه في القرآن الكريم — صفحة 504

مساهمون:

ص٥٠٤
وأتباعه ، بل إن مسيرة الحركات في هذه الكلمة تجسم نبرة الانفعال الشديد والشريف الرضي مقلّ في هذه التأملات . أما الزمخشري فغالبا ما يربط جمال الصيغة بأهمية التهذيب في الأسلوب القرآني ، وهو لا يردد ما سبق من تلميحات ، كما أنّه يضيف إلى معرفته النحوية واللغوية شيئا من التذوّق الرفيع ، ليفسّر الجمال اللغوي وأثره النفسي .

ج - تكثيف التسامي :

لا شك أنّ الكلمات التي وردت لغاية التهذيب مالت بغالبيّتها إلى الاختزان ، فالقرآن الكريم يذكر مفردات تغني عن التفصيل الذي ربما يجنح إلى تجريح المخاطب ، أو إلى ذكر ما هو فاحش رذيل ، ومثل هذا ورد في الكنايات . ولنتأمل قوله عز وجل عن مباهج الجنة التي يرغّب بها المؤمنين :
وَفِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ
[ الزخرف : 71 ] ، فهذه الكلمات تختصر معالم كثيرة ورغائب وفيرة من نساء وطعام وشراب وخضرة ، وصيغة التعميم تدلّ على إفساح المجال للخيال ، وتصوّر ما قد يخطر على النفس وتستريح إليه العين . وقد قال ابن أبي الإصبع في هذه الكلمات : « فألمح إلى كلّ ما تميل النفوس إليه من الشهوات ، وتلذّه الأعين من المرئيات ، لتعلم أن هذا اللفظ القليل جدا عبّر عن معان كثيرة لا تنحصر عدّا » « 1 » . إذن فقد حصرت هذه الكلمات كل جمال لا يتوقع في عالمنا
هامش
( 1 ) تحرير التحبير ، ص / 202 .