يقف على اللغة ، بل يحاول أن يبسط جمال الاختزان من خلال واقع البشر ، وهكذا شملت كلمتا الخوف والحزن كلّ مراحل حياة الإنسان .
وتعدّ وقفات الزمخشري على جمال المفردة كثيرة وغنية المحتوى ، وهو يدل على ذوق رفيع ، ومعرفة لغوية واسعة ، ومن هذا تأمله للآية :
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا
[ البقرة : 24 ] ، فهو يقول : « فإن قلت : لم عبّر عن الإتيان بالفعل ، وأيّ فائدة في تركه إليه ؟ قلت : لأنه فعل من الأفعال ، تقول : أتيت فلانا ، فيقال لك : نعم ما فعلت ، والفائدة فيه أنه جار مجرى الكناية التي تعطيك اختصارا ووجازة عن طول المكنّى عنه » « 1 » .
فهو يلتفت إلى شمول « تفعلوا » ، وكأنه يرى في استعمال الكناية أن كل شيء في التصرفات الإنسانية هو فعل ، فهو أعمّ من أفعال أخرى .
مثل : أتى أو نظّم أو كتب ، ونرى أنّ عموم الفعل يدلّ على منتهى عجزهم عن معارضة القرآن مهما تعدّدت القوى والوسائل البشرية .
ويضع ابن أبي الإصبع أمثال هذه الشواهد تحت عنوان الإشارة ، أي اللفظ القليل للمعاني الكثيرة ، ومما يلفت النظر أنه من أعلام القرن السابع الهجري الذي كثر فيه النّقل عن المتقدّمين ، وعلى الرغم من هذا يعدّ ما وقع عليه في هذا المجال تفرّدا ودليلا على تذوق وتفهم كبيرين ، يقول عن قوله تعالى :
وَغِيضَ الْماءُ
[ هود : 44 ] : « فإنّ غيض الماء يصير إلى انقطاع مادة الماء من نبع الأرض ومطر السماء ، ولولا ذلك لما غاض الماء » « 2 » .
فقد غنت الكلمة عن كلمات أخرى لتصوير الحدث ، كذلك ما جاء حول الآية الكريمة :
وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ
هامش
( 1 ) الكشاف : 1 / 247 .
( 2 ) بديع القرآن ، ص / 82 .