[ القصص : 44 ] فيدلّ على تعمّق قائلا : « فانظر إلى ما أشارت إليه لفظة « الأمر » من ابتداء نبوة موسى عليه السلام ، وخطاب الحقّ له ، وإعطائه الآيات البيّنات من إلقاء العصا ، لتصير ثعبانا ، وإخراج يده بيضاء ، وإرساله إلى فرعون ، وسؤاله شدّ عضده بأخيه هارون ، إلى جميع ما جرى في ذلك المقام ، وأمثال هذه المواضع كثيرة إذا تتبّعت خرجت عن حدّ الحصر في الكتاب العزيز » « 1 » .
فقد استعيض عن تكرار ذكر الأحداث بهذه المفردة الجامعة ، وهذه السمة متواترة في القصة القرآنية ، وإننا لنرجّح ما جاء لدى الجاحظ والثّعالبي ، لأن المفردات عندهما أغنت عمّا لم يذكر ، وهي هنا أغنت عن التكرار ، ويبدو ذكرها أقرب إلى الاعتيادي في الكلام .
ويمكن القول إن الدارسين استفادوا بعض الشيء من إشارة الجاحظ إلى إيجاز الكلمات الجامعة في القرآن ، وكان في إمكانهم الاعتماد عليها في ذكر كلمات أخرى مع منهج فني متخصص .
ب - تكثيف الصيغ :
وفي هذا المجال لا بدّ من المرور بأهمية الصيغة : صرفية وغير صرفية مما يغني عن مفردات كثيرة أو عن جملة خبيئة في طيّات هذه الصيغة .
والحق أن عبد القاهر الجرجاني أبدى اهتماما كبيرا بأثر الصيغة ، إلا أنّ هذا مرتبط عنده تماما بمسألة النظم ، وهو لا يخص المفردة بجمال ، لأنه مهتم بالسياق الكلي بحسب العلاقات النحوية .
إن أول ملحوظة لهذه السمة الفنية نجدها في كأب « الحيوان » للجاحظ في مكان منه مخصوص لميزات الكلب ، فيقف عند الآية :
قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ
[ المائدة : 4 ] إذ يقول : « فاشتقّ لكل
هامش
( 1 ) ابن أبي الإصبع : بديع القرآن ، ص / 83 .