تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات فنيه في القرآن الكريم — صفحة 500

مساهمون:

ص٥٠٠
فقط ، وهو يقول : « من أراد أن يعرف جوامع الكلم ، ويتنبّه على فضل الإعجاز والاختصار ، ويحيط ببلاغة الإيماء ، ويفطن لكفاية الإيجاز فليتدبر القرآن ، وليتأمل علوّه على سائر الكلام ، فمن ذلك قوله عزّ ذكره :
إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا
[ الأحقاف : 13 ] استقاموا كلمة واحدة تفصح عن الطاعات كلّها في الائتمار والانزجار » « 1 » . إنه يخص المفردة باهتمامه ، فهو ينحو منحى الجاحظ ، وقد سرد شواهد متلاحقة مما يدلّ على إحاطته وعمق تدبره ، وقد حرص على أن الإيجاز في كلمة واحدة ، مستخدما كلمة « جمعت » كما كان من الجاحظ . وهو يحاول تبيين العلّة في جمال الكلمة المختزنة كما جاء في تأمله للآية الكريمة
لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ
[ الأنعام : 82 ] إذ يقول : « فالأمن كلمة واحدة تنبئ عن خلوص سرورهم من الشوائب كلّها ، لأن الأمن إنما هو السلامة من الخوف » ، فإذا نالوا الأمن بالإطلاق ارتفع الخوف منهم ، وارتفع بارتفاعه المكروه ، وحصل السرور المحبوب » « 2 » . ثم يبين في الموضع نفسه طبيعة النفس البشرية التي يوائمها بعد الخوف والحزن ، كما في قوله تعالى :
وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
[ البقرة : 62 ] ، فقد قال : « فقد أدرج فيه إقبال كلّ محبوب عليهم ، وزوال كلّ مكروه عنهم ، ولا شيء أضرّ بالإنسان من الحزن والخوف ، لأن الحزن يتولّد من مكروه ماض أو حاضر ، والخوف يتولّد من مكروه مستقبل ، فإذا اجتمعا على امرئ لم ينتفع بعيشه بل يتبرّم » . لقد أشار إلى أسلوب القرآن الذي يقدم مادة لغوية قليلة للدلائل الكثيرة في كلمة « أدرج » وكلمته التي تتكرر أيضا « كلّ » ، ونحن لا نراه
هامش
( 1 ) الإعجاز والإيجاز للثعالبي ص / 10 . ( 2 ) المصدر نفسه ، ص / 11 .