والجدير بالذكر أن هذين الشاهدين يردان في معظم مصنّفات الدارسين بعد الجاحظ « 1 » ، وهذا ديدنهم غالبا ، إذ كرروا الشواهد مع التعليق ، ولهذا سوف نسعى إلى ذكر نماذج متمايزة تمثّل النظرة العامة لديهم ، ونبتعد عن تكرارهم .
وفي كتاب « تأويل مشكل القرآن » لابن قتيبة ، نجد نقولا عن أستاذه الجاحظ ، وذلك من غير ذكر اسمه ، ومن هذا القبيل ما ورد في باب العصا عند الجاحظ حول الآية الكريمة :
أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها
[ النازعات : 31 ] فهو يستخدم ألفاظه معيدا إياها : « كيف دلّ بشيئين على جميع ما أخرجه من الأرض قوتا ومتاعا للأنام من العشب والشجر ، والحبّ والثّمر والحطب والعصف واللباس والنار والملح ، لأن العيدان والملح من الماء » « 2 » .
وأحيانا ينفرد بالنظرة ، فيستطيع أن يبرز جمال الاختزان ، كما صنع في تأمله في الآية :
وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ فِيما عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّساءِ
[ البقرة : 235 ] ، يقول : « والتعريض في الخطبة أن يقول الرجل للمرأة : إنك واللّه لجميلة ، ولعل اللّه أن يرزقك بعلا صالحا ، وإن النساء لمن حاجتي ، هذا وأشباهه من الكلام » « 3 » .
فكلمة « عرّضتم » تشمل معاني جمّة تتبادر إلى الذهن ، وليته ربط هذه الإشارة بالغاية الأخلاقية في المفردة ، فبها ينهج القرآن للمؤمنين منهج السّتر والتأدب في خطبة المرأة المعتدّة لوفاة لا لطلاق ، وهي ممنوعة من النكاح ، والكلمة توحي بكسر فاعلية اعتراض الرجل للمرأة في هذه
هامش
( 1 ) انظر مثلا الإعجاز والإيجاز ، للثعالبي ، ص / 10 وانظر الفوائد ، لابن قيم الجوزية ص / 135 ، الإتقان : 2 / 119 .
( 2 ) البيان والتبيين : 3 / 26 ، وانظر تأويل مشكل القرآن ، لابن قتيبة ، ص / 4
( 3 ) تأويل مشكل القرآن ، ص / 204 .