تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات فنيه في القرآن الكريم — صفحة 497

مساهمون:

ص٤٩٧
واضحة قدر الإمكان ، تكون هذه التطبيقات في الوقت نفسه مصداقا لمديحهم المجمل ، وتحقيقا لوجهة النظر التي نستضيء بها ، فنستيقن الجمال القرآني ، ثم نضيف بعض الومضات من خلال الشواهد . لعلّ الجاحظ أول من أشار إلى جمالية الاختزان في ألفاظ القرآن ، وإن كان التفسير بالمأثور قبله يفصّل معاني الألفاظ ، ولا سيما كتاب أبي عبيدة « مجاز القرآن » ، بيد أن الجاحظ ينظر إلى هذا الأمر من زاوية فنية بلاغية ، فقد جاء في كتابه الحيوان أنّه رصد شواهد كثيرة في كتاب له مفقود اسمه « نظم القرآن » . ويقول : « ولي كتاب جمعت فيه آيا من القرآن لتعرف فضل ما بين الإيجاز والحذف ، وبين الزوائد والفضول ، والاستعارات ، فمنها قوله تعالى حين وصف خمر أهل الجنة :
لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ
[ الواقعة : 19 ] ، وهاتان الكلمتان قد جمعتا جميع عيوب خمر أهل الدنيا ، وقوله عز وجل حين وصف فاكهة أهل الجنة ، فقال :
لا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ
[ الواقعة : 33 ] ، جمع بهاتين الكلمتين جميع تلك المعاني » « 1 » . وهكذا تشير الآية الأولى مثلا إلى أن خمر الأرض تسبّب السّكر ثم التنازع والفراق ، وكثرة الإحن والشّغب ، وفيها ذهاب العقل والمال ، فتختصر الكلمتان كلّ ما يمكن أن يحدث من قبائح مادية وروحية نعرفها في عصرنا من جرّاء معاقرة هذا الخمر . أما القطع والمنع في الآية الثانية ، فتعنيان أن هذه الفاكهة لا يصيبها انقطاع نتيجة فسادها فلا تمنع ذاتها ، ولا يمنعها أحد بقوة خارجية ، فيحصل المؤمن على اطمئنان كبير خصوصا في الإطار العام من الاستمرار وهو الخلود في الجنة .
هامش
( 1 ) الحيوان : 3 / 86 ، وانظر : 4 / 278 منه أيضا .