بالواقع ، ثمّ إنّ إهدار السبب في كلّ نصوص القرآن بحجّة عموم اللفظ من شأنه أن يؤدّي إلى إهدار حكمة التدرّج بالتشريع في قضايا الحلال والحرام ، وإنّ مناقشة دلالة النصوص من خلال ثنائيّة عموم اللّفظ وخصوص السبب أمر يتعارض مع طبيعة العلاقة بين النصّ اللّغوي وبين الواقع الذي ينتج هذا النصّ . " فالنصّ ينتج داخل سياق الفكر والثقافة ، وتنتمي دوالّ النصّ وعلاماته إلى النظام اللّغوي الذي يعدّ نظاما خاصّا داخل نظام الثقافة ، وإن كان هو النظام المركزي " « 1 » . وفي النصوص تتفاعل نظم دلاليّة ثانويّة داخل النظام العام للنصّ ، فنجد دوالّ تتجاوز إطار الوقائع الجزئيّة ، ونجد دوالّ أخرى تشير إلى الوقائع الجزئيّة ، ولا تتجاوزها ، ولكنّ النصوص الممتازة تتضمّن أيضا دوالّ ذات طبيعة عامّة تمكّن العصور المختلفة من قراءة النصوص ، واكتشاف دلالات مغايرة لها . فالشافعي يقول : " اللفظ بيّن في مقصوده ، ويحتمل في غير مقصوده " « 2 » . ويضرب المنتصرون « 9 » لفكرة أنّ " العبرة بخصوص السبب لا بعموم النزول " مثلا بالآية الكريمة
" الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً "
« 3 » . ويرون أنّه ليس من المتصوّر أن يكون لفظ ( الناس ) في هذا النصّ دالا على ( جميع الناس ) وإلّا كان جميع الناس قائلين ( لجميع الناس ) إنّ ( جميع الناس ) قد جمعوا لكم . إنّ بنية النصّ ذاته تؤكّد على خصوص مدلول ( الناس ) في كلّ لفظ من هذه الألفاظ ، بحيث يكون القائلون غير المخاطبين غير الغائبين ، وهي مستويات الضمائر في منطوق الآية . إنّ الألف واللام في كلمتي ( الناس )
هامش
( 1 ) نصر حامد أبو زيد ، مفهوم النصّ في دراسة علوم القرآن ، ط 3 ، المركز الثقافي العربي / بيروت / والدار البيضاء / 1996 ، ص 107 .
( 2 ) الشافعي ، الرسالة ، ص 53 .
( 9 ) منهم من القدامى جمع من المفسّرين كالزمخشري ، وعدد من مؤلّفي دراسات القرآن ومن المحدثين الأستاذ سيّد قطب رحمه اللّه ، ونصر حامد أبو زيد ، على اختلاف ما بينهما من منهج التناول للمسألة .
( 3 ) سورة آل عمران ، الآية ( 173 ) .