لنزول القرآن منجّما ومنها تثبيت فؤاد النبيّ - صلّى اللّه عليه وسلّم -
" وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا "
« 1 » وحول هذه الآية وهذه الحكمة يقول السيوطي : " لنثبّت به قلبك ، أي لنقوّي به قلبك ، فإنّ الوحي إذا كان يتجدّد في كل حادثة ، كان أقوى بالقلب ، وأشدّ عناية بالمرسل إليه ، ويستلزم ذلك كثرة نزول الملك ، وتجدّد العهد به ، وبما معه من الرسالة الواردة من ذلك الجناب العزيز ، فيحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة " « 2 » . وفي موضع آخر يذكر طرفا آخر من حكم تنزّل القرآن الكريم مفرّقا يقول : [ ومنه ما هو جواب لسؤال ، ومنه ما هو إنكار على قول قيل ، أو فعل فعل « 3 »
" وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ "
« 4 » .
ولا شكّ أنّ هذين النصّين يكشفان بجلاء عن تفاعل النصّ مع سياقه المقامي ( الخارجي ) ؛ فتثبيت الفؤاد المشار إليه في الآية ، وفي نصّ السيوطي يشير إلى مراعاة حال المتلقّي الأوّل من حيث صعوبة عمليّة الاتصال بالوحي عليه - على الأقل في بدايتها - ومن حيث إنّ الثقافة ثقافة شفاهية يستحيل فيها استيعاب نصّ على هذا الطول ، وعلى ذلك فإنّ مراعاة حال المتلقّي الأوّل ليست مجرد مراعاة لعوامل شخصيّة ذاتيّة بقدر ما هي مراعاة لحالة عامّة ، يدخل فيها المتلقي الأول جنبا إلى جنب مع المخاطبين بالنصّ " لتقرأه على الناس على مكث " . إنّ النصّ هنا يستجيب لواقع ثقافي له شروطه الموضوعيّة الخاصّة ، وإنّ فهم علماء القرآن لعلّة التنجيم يتجاوز إطار مراعاة حال المتلقّي الأول ، إلى مقاربة الإحساس بجدليّة العلاقة بين النصّ والواقع .
وقد عبّر الأستاذ مالك بن نبي عن هذه العلاقة بقوله : " سيهدي الوحي خلاله ثلاثة وعشرين عاما سير النبي وأصحابه خطوة خطوة نحو هذا الهدف البعيد وهو يحوطهم
هامش
( 1 ) سورة الفرقان ، الآيات ( 32 - 33 ) .
( 2 ) السيوطي ، الإتقان ، ص ( 92 - 93 ) .
( 3 ) نفسه ، ص : 92 .
( 4 ) سورة الفرقان آية ( 33 ) .