تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الخطاب القرآني — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
في كلّ لحظة بالعناية الإلهيّة المناسبة ، فهو يعزز جهودهم العظيمة ، ويدفع أرواحهم وإرادتهم نحو هدف الملحمة الفريد في التاريخ ، فيكرّم بآية صريحة قضاء شهيد أو استشهاد بطل " « 1 » . ثمّ تساءل كيف كان القرآن سيؤدّي دوره حيال طبيعة الإنسان التي جاء يصوغها في ذلك العصر ، لو أنّه سبق بنزوله أحداث حنين وأحد ، وما ذا كان يكون لو أنّه لم يأت لكلّ ألم بعزائه العاجل ، ولو أنّه لم ينزّل لكلّ تضحية جزاءها ، ولكلّ هزيمة أملها ، ولكلّ نصر درسه ، ولكلّ عقبة إشارة إلى ما تقتضيه من جهد ، ولكلّ خطر أدبي أو مادّي روح التشجيع اللازم لمواجهته ، وهل كان لدرس الإسلام العظيم أن يجد طريقه إلى قلوبهم وضمائرهم لو لم يكن نزوله تبعا لأمثلة الحياة نفسها والواقع المحيط بهم ؟ ويجيب : لو أنّ القرآن كان قد نزل جملة واحدة لتحوّل سريعا إلى كلمة مقدّسة خامدة ، وإلى فكرة ميّتة ، وإلى مجرّد وثيقة دينيّة لا مصدرا يبعث الحياة في حضارة وليدة ، فالحركة التاريخيّة والاجتماعيّة والروحيّة التي نهض بأعبائها الإسلام لا سرّ لها إلّا في هذا التنجيم " « 2 » . ومن ناحية أخرى فإنّ تنجيم هذا النصّ ليتناسب مع مقتضيات الأحوال الخارجيّة ولمدّة طويلة ( 23 سنة ) يعني الترابط الواضح بين النصّ اللّغوي والواقع الخارجي ويكشف أيضا عن قضيّة أخرى هي قضية الاتّساق الداخلي في النصّ القرآني ، فمسألة التنجيم ، ومسألة أسباب النزول ، ومسألة الناسخ والمنسوخ كلّها قضايا قد توحي بوجود تناقض في العلاقات الداخليّة للنصّ القرآني . ولكنّها جميعا تؤكّد اتساق النصّ القرآني ، فالقرآن رسالة ، والمتلقّي الأول هو الرسول ( صلى اللّه عليه وسلّم ) ، وهناك مخاطبون ، وقد تنزّل القرآن إليهم معالجا مقتضيات حياتهم بخطابات متنوّعة في الأسلوب والمضمون ، وإنّ تنوّع الخطاب القرآني ، وتدرّجه في مستويات عدّة ، بحسب المخاطبين وظروف الخطاب ، هو أبرز دليل على أنّ هذا الخطاب هو خطاب الحياة . والذي يكشف عن هذا
هامش
( 1 ) مالك بن نبي ، الظاهرة القرآنيّة ، ص 174 . ( 2 ) نفسه ، ص 174 .